الاثنين، 26 مارس، 2012

الفصل الثامن: مفاجأة في المتنزه

في اليوم التالي لم يتمكن عمر من لقاء حسام، ولم يحاول العثور عليه، فقد شغله التفكير بالتقرير الذي طلبه المفوض السياسي عن كل شيء آخر.. وكي يكون تقريره مدروساً بشكل جيد، فقد أمضى عمر طيلة ذلك اليوم في لقاءات دردشة وحوارات مع زملائه في الوسط الطلابي عما يمكن فعله أو تطويره أو تصوره.. يتفق أحيانا معهم على أشياء.. وفي أحيان أخرى يعارض.. فالانتفاضة في رأيه يجب ان تظل محتفظة بصورتها الشعبية، معبرة عن عصيان شعب أعزل باسره يريد التحرر والاستقلال من احتلال طال امده، وأوغل في ظلمه، وطغى في جبروته، ولا بد ان ينتهي ولو بالعصا والحجر.

لكن اللقاء مع حسام تم صبيحة اليوم التالي، وكان ذلك من غير ميعاد.. فقد كان عمر خارجا من منزله في طريقه الى المدرسة عندما التقى حسام قرب معصرة الزيتون حيث بادره بالسؤال:

·       اريد ان نلتقي اليوم في نابلس.

ورد عمر:

-       ولماذا نابلس؟ هل من شيء يستدعي الذهاب الى نابلس؟

ورد حسام:

·       نعم.. لا أجد مكانا افضل من نابلس

-       ولكنك تعرف بان الطريق صعب هذه الايام..الا عبر الطرق الالتفافية.

·       وليكن.. سانتظرك في حديقة "المنتزة" بعد الظهر.

وحار عمر في الاجابة.. فلماذا يريده حسام في نابلس وحدود القرية واسعة.. لكن حسام قطع عليه التفكير قائلا:

·       هناك مهمة بشأن شخص يهمني أمره، وقد طلب فارس ان تساعدني فيها.

-       الا نستطيع الحديث بشانها في أي مكان هنا؟

·       كلا ليس الان.. كما ان الطرف المعني يجب ان يكون معنا ايضاً.

وثار الفضول مجددا عند عمر.. فهو يعرف أن حسام كتوم جداً في المسائل المتعلقة بالتنظيم.. وربما لا يريد الافصاح عن شيء حول هذه المهمة، وعن الشخص الذي يعنيه، ولكن طالما ان فارس، هو الذي اختاره لهذه المهمة فليس من واجبه الا التنفيذ حتى لو لم يعرف بالتفاصيل التي لم يكن حسام يريد ان يتحدث فيها في تلك اللحظة.

ثم نظر الى حسام قائلا:

-       حسنا.. ساتدبر اليوم أمري بعد المدرسة.

ورد حسام:

·       حسنا.. سوف اسبقك الى هناك.

وللحظة حاول عمر استيقاف حسام قبل ان يمضي بعيداً عنه لعله يجد جرأة في السؤال عن موضوع ولاء.. لكنه تردد، وشعر بانه قد لا يكون من حقه ان يعرف أموراً شخصية عن الآخرين.. خاصة عندما يكون الأمر متعلقا بفتاة قروية، بل وإبنة اخ من يتحدث معه.

وفي ذلك اليوم لم يكمل عمر ما تبقى من الدروس وهو يفكر بموضوع اللقاء في نابلس.. فان لم يسعفه الحظ ليذهب بسيارة احدهم وقت الظهيرة، فقد لا يستطيع ان يجد شخصا آخر يقبل بذلك..والطريق الى نابلس يزيد عن عشرة كيلومترات.. وقطع مثل هذه المسافة سيرا على الاقدام، وبعيدا عن انظار الجنود المتمركزين على الحواجز سيستغرق وقتا طويلا، وسيكون الامر شاقاً عليه خلال هذه الفترة.

ولذلك، ما ان دنت الساعة من العاشرة حتى كان عمر في الطريق عائدا الى البيت ليبلغ أهله بأمر ذهابه الى نابلس واحتمال أن يبيت فيها لو تاخر عن وقت المغرب.. وفي السوق، وجد سيارة أجرة لاحد ابناء القرية كانت تنتظر الامتلاء قبل ان تتجه الى نابلس عبر طريق جبلي وعر جعل ركابها يتقافزون فيما كانت رؤوسهم تصطدم بسقفها طوال الطريق.

وبينما كان السائق يحرك مؤشر الراديو، طلب عمر من السائق على نحو مباغت ان يوقفه لسماع خبر عابر في نشرة اخبار ذكره بالاجتماع الذي ضمه قبل يومين مع المفوض السياسي بينما كان صوت المذيع يقول:

-       اختار الألمان الشرقيون بغالبية عظمى اليوم الأحزاب التي كانت تطالب بانضمام سريع لألمانيا الشرقية إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية.

وعندما حاول ان يجعل من الخبر مادة للنقاش بين الركاب لم يكترث به احد الا واحد عقب ساخراً:

-       "ناقصنا المانيا!! يا اخي بيكفينا اللي فينا.. انا نازل نابلس لاشوف اذا بعرف أدبر إشي للاولاد".

لكن عمر أصر على مواصلة النقاش قائلاً:

·       ما يحدث في المانيا يهمنا بالتاكيد.. هذه ضربة جديدة للاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي، وهم الوحيدون الذين يدعموننا الآن.

فقاطعه السائق:

- "ويعني بالله عليك.. شو اللي عمله المعسكر الاشتراكي لليوم؟.. اليهود محتلين الضفة من 23 سنة .. ومن قبلها فلسطين من 42 سنة.. حدا من المعسكر الاشتراكي زحزحهم متر؟"

واستأنف ساخرا:

-       "وجاي تحكي لي عن المانيا؟؟"

وحاول عمر تكرار المحاولة قائلا:

·       "كنت عاوزهم ييجوا يحاربوا بدالنا؟ ولا بدال العرب؟ لكن لولا دعم المعسكر الاشتراكي وتسليحه للمنظمة ما كان توفرت لنا ظروف أفضل للانتفاضة"

ولم يرد عليه احد من الركاب هذه المرة، فادرك ان الاعباء التي خلفتها الانتفاضة كانت ايضا ثقيلة على الناس.. وهو نفسه يعاني من ذلك كطالب.. اذ قلما بات ينتظم في مدرسته ليوم دراسي كامل، وفي بعض المدن والقرى هناك الكثير من المدارس المغلقة منذ اكثر من عام باوامر عسكرية من الاحتلال.. وهناك من تطوع من المدرسين لتدريس تلاميذهم في الهواء الطلق تحت الاشجار.. وهذه نقطة رأى انها تستحق ان تعرض في التقرير الذي سيكتبه.. لان الامور ان ساءت عن هذا الحد فان مستويات التعليم ستنحدر.. فالاضرابات كثيرة .. والمواصلات صعبة.. والاهالي يخافون على أبنائهم  نتيجة الاغلاق المستمر للطرق.. وهناك تشتت واضح في التعليم ولا بد من التفكير في علاج مسألة التعليم، وهذا ما قرر ان يتعرض له بتفصيل اكثر في فقرة أساسية من تقريره المنتظر.

وفيما ظل السائق يحرك مؤشر الراديو من محطة الى اخرى يبث معظمها أناشيد وأغان وطنية من محطات ظهر بعضها إبان الانتفاضة من غرف في البيوت.. وصلت السيارة أخيرا الى "الدوار"، فطلب عمر من سائقها إنزاله بجانب معمل الطحينية القديم... ومن هناك اتجه شرقاً سيراً على قدميه باتجاه شارع رفيديا مرورا بمكتبة البلدية العريقة.. وما أن تخطى ذلك "الدرج" الصغير في مدخل "المنتزة" لمسافة قصيرة وهو يبحث عن حسام حتى اخذته المفاجأة على حين غرة .. وبصورة لم تخطر له على بال.

فعلى احدى الطاولات المنزوية التي تظللها اشجار المنتزة.. كان حسام جالسا وامامه على الكرسي المقابل إبنة اخيه ولاء.

وما ان التقت عينيه بعينيها كالمرة الاولى حتى أصابه إرتباك شديد حاول ان يخفيه على الفور كي لا يلاحظه حسام الذي اشار بيده نحو كرسي في الوسط داعياً عمر للجلوس عليه.

وربما اسعفه ذلك.. فقد كان عمر ما زال يهتز في داخله.. وكان ما زال مندهشا من سرّ وجود ولاء في اجتماع لمهمة أخبره حسام بأنها ستكون تنظيمية، وما علاقة ولاء بالتنظيم ان كانت هي الشخص المقصود؟

تساؤلات كثيرة حار في الحصول على اجابة سريعة عنها قبل ان يسارع حسام الى تبديد الدهشة التي ارتسمت على وجه عمر قائلاً وهو يشير بيده نحوها:

-       أعرفك على ابنة اخي.. ولاء..

ولم يجرؤ عمر على النظر إليها مرة اخرى ... بل ظل موارباً بجسمه نحو حسام محاولاً إخفاء انه رآها أو يعرفها من قبل.. وأن صورتها لا تفارق خياله منذ ثلاثة ايام.. وأنه كان يتحين أية فرصة لمجرد ان يسأل حسام عن حكاية هروبها من منزل والديها في رام الله ... فكيف الأمر وهي تجلس الآن بجواره، ويكاد يحصي انفاسها وهي تقرب كأس العصير من شفتيها الرقيقتين، ورائحة من عطر خفيف يفوح من جسمها ليعبق في ارجاء المكان؟

ثم أكمل حسام:

·       ولاء ليست عنصرا في التنظيم.. ولكن لا احد من التنظيم يعرف الحكاية غير فارس، وهو الذي طلب مني ومنك ان تساعدني كي نحصنّها مما أصابها.

·       نحصنّها؟

تساءل عمر في قرارة نفسه.. فكلمة التحصين عادة ما تستخدم بين اعضاء التنظيم عندما يكون للامر علاقة بمقاومة العملاء و"الشاباك".. فهل كانت عميلة وهربت؟

لكن حسام تدخل موضحاً من جديد بصوت خافت كي لا يكون مسموعاً من أحد العابرين بلا انقطاع من جانب الطاولة رغم انه اختارها بعناية في ركن بعيد من الحديقة:

·       سوف أتحدث بصفة تنظيمية ولست بصفتي خالها.. فولاء كما ترى شابة.. والحكاية ان والدها تورط مع "الشاباك" وأسقط معه والدتها.. وقد راح في الفترة الأخيرة يضغط عليها كي يسقطها هي الاخرى، لكنها ظلت تقاوم حتى حدث ما فاق قدرتها على الاحتمال أكثر مما تحملته وذلك عندما رأت والدها يحضر رجالاً ويدخلهم الى الغرفة مع والدتها ويغادر المنزل.. فهربت، وهي لا تريد العودة مهما كان الثمن.

وفي تلك اللحظة لم يدر عمر كيف استدارت عينيه نحو ولاء ليراها تطالعه من طرف عين تسترق النظر اليه باستياء مما كان خالها يقوله، وباستحياء من رأس مال قليلا نحو سطح الطاولة من الخجل وكأنها ما كانت تود ان يعلم بهذا الموضوع أي أحد من خارج العائلة.

ثم عاد بنظره الى حسام الذي تابع قائلا:

·       لم يعرف أحد من اخوتي بعد بموضوع شقيقتي والرجال.. فقد اتفقت مع ولاء على إخفاء هذه المعلومة عنهم.. لكنهم يعرفون بقصة التورط مع "الشاباك".. وهم مترددون في موضوع عودتها.. لكنني عندما عرضت الامر على فارس رأى ان نبعدها عن بيتنا معظم الوقت لتظل برفقة أختك في هذه الفترة حتى نخفف الملاسنة في البيت ونحميها.. ثم نجد لها حلاً... وقد رأيت ان نلتقي هنا لأعرفك بها ونرتب الامور.

لحظتها لم يجد عمر بداًّ من ذكر ما روته والدته عن مسألة الهروب، وكيف ان والديه يعتقدان بان في الامر ما قد يمس الشرف نظرا لتكتم زوجات أخوالها على الحقيقة.. وقال لحسام:

-       قبل ان تدخل البيت يجب ان نوجد تفسيرا مقبولا.. فعلاقة ولاء ستكون مع اختي..

 ورد حسام:

·       نعم.. فكرت في الامر.. واتفقت مع ولاء على ان تقول شيئاً واحداً ان اضطرتها الظروف لذلك وهو ان والديها يضغطان عليها للزواج من شخص مشكوك في انه عميل. وقد هربت لهذا السبب لأنهم مصرون على تزويجها إياه..

ثم توجه الى ولاء:

·       اليس كذلك يا ولاء؟

واكتفت ولاء من من مكانها بهز رأسها علامة الموافقة..

ورأى عمر في هذا المخرج مدخلا مقنعا قال انه سيبلغ به اهله في الليل.. وانه سيقول لهم بانه عرف الحكاية من حسام.. وهو يعرف ان والده شهم في مثل هذه الامور.. وانه قد يوفر لها الحماية ايضا طالما ان في المسألة اجباراً على الزواج من عميل خائن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق