الاثنين، 26 مارس، 2012

الفصل التاسع عشر: ليلة في طلوزة


اقتربت الساعة من الثانية صباحا وعمر يتقلب في فراشه دون ان يغمض له جفن.. وبين كل فترة واخرى كان يحاول فيها النوم، كان يغوص في التفكير بما يمكن ان يتحمل عنه المسئولية لما سيضطر الى كتابته بنفسه في التقرير لو ان الرسالة لم تصل الى فارس، او لو حدث اي سبب منع ابو يوسف من توصيلها، او اذا كان فارس في منطقة بعيدة ولا يمكنه مقابلته في مكان قريب خلال هذه المدة القصيرة..

لكن ما كان يفزعه هو ان يقع في خطأ فادح لو كتب التقرير بنفسه.. فالمسألة اكبر منه بكثير.. والمطلوب منه كثير ايضاً.. وابو النمر ينتظر بالتأكيد ولو معلومة واحدة لم يعرف بها عملاؤه او جهاز مخابراته من قبل.. فالاسماء معروفة لديهم بالواحد، والعمليات، معروفة بمواقع تنفيذها، وربما اسم كل من نفذ واحدة منها.. واعدامات العملاء.. فهناك من كان يشاهد علناً عند تنفيذ الحكم بالرصاص او الشنق.

كما ان وضعه في التنظيم ما كان يسمح له بمعرفة اكثر ما يعرفه اي عضو آخر في موقعه وطبقا للمهام التي كان يكلف بها..

ورغم ان فارس قريب للعائلة من بعيد، الا انه كان يتعامل معه كقائد ينفذ اوامره مثل أي جندي في جيش..

وقد حاول فيما تبقى من تلك الليلة ان ينهض اكثر من مرة ليكتب شيئا يتخيله ولا يخطر على بال ابوالنمر او شعبان ان يعرفه.. لكنه ما كان يكتب اول ورقة او ورقتين من المعلومات المعروفة ليدخل منها الى ذلك الشيء غير المعروف.. فيمزق ما كتب قبل ان يذهب الى الخارج لحرقه كي لا تقع حتى مجرد قطعة منها بيد احد من اهله فيزيد الوضع تعقيدا.

وحتى ظهيرة اليوم التالي.. ظل عمر يشعر بان الوقت يمضي بثقل لم يألفه من قبل.. فعقارب الساعة كان يراها كأنما لا تتحرك.. ودقاتها مثل مطرقة كانت تضرب رأسه بوتيرة بطيئة منتظمة.. ومع ذلك ظل مصمماً على البقاء في المنزل منتظراً حلول العصر ليذهب رأسا الى ابي يوسف وأمله ان يجد التعليمات قد وصلت عنده.

لكن ابويوسف الذي كان وحيداً في بقالته عندما وصل عمر هز رأسه بالنفي قبل ان يجيب:

·       ربما يصل الرد بين لحظة واخرى.. من جهتي بعثت الرسالة من ليلة البارحة.

وعند المغرب وجد عمر عذراً امام اهله للذهاب الى السوق والعودة باسرع ما يمكنه..

لكن التعليمات لم تكن قد وصلت عند ابي يوسف بعد.

وعندما جاوزت الساعة السابعة والنصف.. أدرك عمر انه صار في مواجهة التقرير وحيدا، ولو واصل الانتظار اكثر فقد يفقد فرصة التخيل والتفكير مرتين او ثلاثا.. او ربما اكثر من ذلك قبل ان يحل صباح اليوم التالي ليكون جاهزا امام شعبان.. فكان عليه ان يتصرف بنفسه بكل ما لديه ذكاء ومهارة.. وبالحد الذي يقدره من حجم هذه المسئولية التي كان يراها اكبر من قدرته على تحملها منفردا بالنيابة عن التنظيم كله..

واول شيء فكر فيه هو اختراع عمليتين وهميتين من صنع خياله على اساس انه نفذهما بنفسه لتكونا محورا للتقرير.. واخترع لذلك اسمين حركيين وهميين قاما بتكليفه في العمليتين، وانهما من ارشداه الى مكان الاسلحة والمتفجرات التي استخدمهما، والمكان الذي ترك فيه كل شيء بعد ذلك كي ياتي احد من بعده لنقلها..

ومع انه تذكر علميات لم يكتشف منفذيها بعد، لكنه حار في معالجة ان يكون المنفذ شخص واحد، لان معظم العمليات كان يشارك فيها اكثر من عنصر.. وكلما حاول التفكير اكثر في نسج الحكاية من الخيال كلما لاح له الطريق مسدودا وبان امره قد ينكشف غدا امام شعبان عندما يشعر بان اختياره لم يكن موفقا، ولا يعرف ما الذي سيحل به بعد ذلك من قبل ابوالنمر.

وفي خضم ارتباكه وحيرته.. جاءه الفرج اخيرا عندما سمع صوتا على الباب يسأل والدته عنه.. وعندما خرج من غرفته مستطلعا، وجد احد زملائه من الطلاب من اهل القرية يحمل بيده كتابا تذرع بانه يريد ان يعيده اليه وسؤاله عن بعض الملاحظات.. وعندما اختليا في الغرفة.. بادره ذلك الزائر بالقول:

·       انطلق فورا الى لفة كرم اللوز عند مدخل القرية.. ستجد هناك سيارة بانتظارك.

ثم خرج الطالب من الباب..

اما عمر، فاغلق باب الغرفة من الداخل، وفتح نافدة غرفته ثم قفز منها وراح يركض باقصى سرعة متستراً بالليل ووجهه نحو كرم اللوز الذي يبعد نحو 1300 متر من موقع منزله.. وعندما وصل وهو يكاد يسقط من طوله من التعب واللهاث، وجد سيارة مطفأة الانوار سرعان ما دس نفسه فيها حتى من دون ان يتفحص احدا من الموجودين فيها، ثم انطلق الجميع باتجاه وادي الباذان حيث توقفت السيارة خلف منزل على الطريق خرج منه احدهم على الفور ليدير دراجة نارية صعد عليها عمر من وراءه لينطلقا عبر طريق وعر الى طلوزة حيث كان فارس ينتظره في بيت مهجور في أحد البساتين هناك مع ثلاثة ممن كانوا معه في المغارة عندما كلفه بالعملية.

وما ان دخل عمر ذلك المنزل بعد ان عبرت بهم الدراجة جدولاً مائياً تناثرت فيه  الكثير من جذوع الاشجار المكسرة حتى بادره فارس من زاوية في الغرفة كانت تضيئها "لمبة كاز" بنور خافت:

·       ماذا لديك؟

وقبل ان يفعل اي شيء آخر... راح عمر يروي بالتفصيل كل ما حدث معه منذ آخر يوم التقى فيه فارس مع افراد مجموعته المطاردين في المغارة، وبحرص شديد على ان لا تفوته اية معلومة كان يعتقد بانها مهمة او غير مهمة، تحدث مطولاً عن ظروف اعتقاله، وتفاصيل ما جرى منذ اللحظة التي قدموا فيها الى البيت حتى لحظة خروجه بعد لقاءه بابي النمر، وبعده بشعبان في اليوم السابق الذي طلب منه كتابة تقرير مفصل عن علاقته بالتنظيم.

ثم اخرج ورقة كان قد كتب فيها المطلوب منه على شكل قائمة بحروف واضحة وسلمها لفارس الذي راح يتأملها ملياً قبل ان تتنقل على التوالي الى الثلاثة الباقين الذين راح كل منهم يتأملها بشكل معمق.

وفيما راحت عيناه تتابعان بعض الابتسامات التي كانت تبدر من القياديين الاخرين أحيانا، وعلائم الدهشة التي كانت تنطبع على وجوههم في أحيان اخرى وهم يطالعون قائمة المطلوب للتقرير، أخرج عمر من جيب آخر مظروفا آخر ناوله لفارس وهو يقول:

·       وهذه هي كل المبالغ التي استلمتها من ابوالنمر وشعبان.

غير ان فارس الذي ابقى المظروف على حاله في يده توجه للجميع بعدها قائلاً:

·       اذن، تأكدنا الآن ان شعبان عميل، وهذا اول الحصاد، والمشكلة الآن مع التقرير.. ما رأيكم؟

ورد احدهم:

·       تستمر الخطة، اقتحام شبكة شعبان ومعرفة المتورطين فيها.

وقال آخر:

·       احيي شجاعة عمر، لكن ماذا لو انكشف امره فعلاً في المرحلة التالية؟ التقرير أول الاختبارات.. وقد لا يكون آخرها قبل ان يتمكن من التقدم خطوة اخرى للامام.

وكان رأي الثالث مع ان تستمر الخطة، ولكن مع توفير حماية ومتابعة عن قرب لعمر كي لا يقع فريسة لشعبان.

وكذلك كان رأي فارس.. فالخطة لم توضع كي تنهى عند اول اختبار وتحويل عمر الى مطارد جديد.. وكان المهم عنده هو النفاذ الى المرحلة الثانية، وكشف بقية شبكة العملاء ذوي العلاقة بدائرة شعبان، ومن وراء ذلك يستطيع التنظيم الحصول على معلومات تحمي اعضاءه.. ولذلك قال:

·       يجب ان يكون التقرير ذو مصداقية عالية، وبافضل مما يتوقعه شعبان او ابوالنمر.

ووافق الجميع على ذلك، كما وافقوا على اقتراح فارس بان يتضمن التقرير عمليات نفذت فعلاً مع تغيير اسماء منفذيها الحقيقيين عدا الذين اعتقل منهم ويمضون احكاماً عالية في السجن، وبالتالي لن يؤثر ذلك عليهم كثيرا لو عوقبوا من جديد بشأنها.

وكانت الاوراق والاقلام جاهزة..

وراح فارس يملي على عمر ما راح يكتبه بخط يده امام المجتمعين حتى انجز ما يزيد عن خمس عشرة صفحة انصب كل التركيز فيها على ذكر عمليات كانت لها قيمتها، وبعضها كانت موجعة جدا للاحتلال، واسماء من نفذوها ومن بينهم اشخاص حقيقيين، وآخرين وهميين لم يكن لهم وجود ابداً الا في خيال تلك اللحظة التي كان عمر يواصل فيها كتابة ما يملى عليه من فارس.

وكان الوقت لا يفصله عن صبيحة اليوم التالي سوى بضع ساعات، استغل فارس بعضها لاجراء تعديل على طريقة التواصل مع عمر عن طريق ابويوسف في ايام ومواعيد محددة لكنها تختلف وفق نظام اتفق عليه. كما اعطاه دليلاً مصغراً من بضع صفحات يسهل عليه اخفاؤه لتشفير الرسائل التي سيرسلها من تلك اللحظة فصاعداً الى فارس عن طريق ابويوسف.

ولان الوقت كاد ان يعانق اطلالة الفجر، فقد اقترح فارس ان يمضي عمر مع الشخص الذي احضره على الدراجة والذي كان ما زال منتظرا مع الملثمين في الخارج، ثم يتجه صباحاً بسيارة اجرة الى نابلس ويتصل مع شعبان وقت الضحى من اي مكان فيها ليتفقا على مكان للقاء خارج القرية مدعياً انه سبقه في الخروج منها لهذا السبب.

وكان اللقاء بمحل حلويات اعتاد ان يلتقي فيه القرويون، وعندما دخل شعبان نهض عمر من مكانه واتجه اليه متعمداً ان يعانقه في مدخل المحل كما لو انهما صديقان لم يريا بعضهما، واثناء ذلك دس التقرير في جيب شعبان الذي شعر بذلك، ثم خرج تاركا شعبان وراءه في المحل وهو يقول بصوت كان يريد ان يسمعه من كان في المكان:

  • هناك من ينتظرني.. ساذهب واحاول احضاره.. وان تاخرت.. فمن الضروري ان اراك اليوم قبل ان تعود الى القرية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق