الاثنين، 26 مارس، 2012

الفصل الثالث والعشرون: لحظات حرجة


من بعيد، وقف عمر في العتمة مثل نسور الليل مفتوح العينين يراقب تتابع دخول وليد وعبدالقادر وحاتم واثنين آخرين لم يرهما من قبل الى منزل شعبان.

ومن غرفة تطل على الفناء الخلفي الذي حوله شعبان الى زريبة لتربية الابقار والاغنام، كان النور ينبعث خفيفاً من وراء زجاج النافذة التي ترتفع اكثر من متر ونصف عن الارض، اما السور، فقدر انه لن يكون عالياً بالنسبة له لو فكر في القفز من فوقه لاستراق السمع .. وهذا ما فعله بعد تفكير بخطة الهروب السريع فيما لو اكتشف امره اثناء القفز الى الزريبة .. لكنه شعر بالاطمئنان عندما وقعت قدماه فوق كومة من الحشائش كان يوجد بالقرب منها عدد من اكياس العلف.. وقبل ان ينهض واقفاً ليتجه نحو النافذة، رتب بعض الاكياس فوق بعضها بشكل يجعل منها سلماًّ في حالة اضطراره للهرب بسرعة.

غير ان المشكلة التي واجهته بعد ذلك ان النافدة كانت في مستوى أعلى من قدرته على سماع ما يدور في الغرفة لو ظل واقفاً على الارض بطوله أسفل النافذة.. فجال في بصره يميناً ويساراً عله يجد شيئا يصعد فوقه.. وفكر في ان يحضر كيساً او اثنين من اكياس العلف.. لكن الحظ اسعفه حينما وجد بين البهائم صفيحة بدا انها تستعمل للشرب.. فعاد بها الى اسفل النافذة، وعندما صعد عليها وجد انها تكفي لرفع قامته الى مستوى قريب من مستوى النافذة.

وجاءه الصوت واضحا هذه المرة.. فسمعهم يتحدثون اولاً عن مهام لم يسمع بها من قبل، لكن اسم ابوالنمر ذكر خلال ذلك عدة مرات: غضبه من امر ما.. تعليماته بشأن أمر آخر.. تكليف جديد بخصوص اسم او موقع...

كما عرف من مجرى الحديث ان احد الشخصين الاخرين الحاضرين في ذلك الاجتماع يدعى سالم، والآخر احمد، لكنه لم يعرف من اي مدينة او قرية هما.. كما لم يتمكن من رصد اية علامة تدل على هوية اي منهما، غير انه شعر من طريقة حديثهما انهما لا يقلان اهمية عن شعبان ان لم يكونا أهم منه في شبكة اوسع.

وعندما حان وقت الحديث عنه، سمع صوت شعبان اولا يقول:

-       ارى ان عمر متجاوب الى حد كبير مع كل ما اطلبه منه، ولكن التنظيم كما يبدو لم يأمن جانبه بعد.. فكل الذين اتصل بهم حتى الان ما زالوا يتعاطون معه بحذر .. والمعلومات التي قدمها لي حتى الان لا تشكل قيمة كبيرة، لكنها ليست قليلة الاهمية ايضا.

ثم سمع صوت سالم يقول:

·       المعلومات في هذه المرحلة ليست هي الهدف.. وانما الهدف هو عمر نفسه.. هل انت مقتنع بانه لا يحاول الخداع او التضليل؟..

وتابع قائلا:

·       كما فهمت، فانك لا تملك اي مستمسك قوي ضده حتى الان، فكل شيء مبني على قرابتك له وتقييمك الشخصي له .. وهذا لا يكفي.. يجب استكمال عملية الاسقاط كاملة قبل كل شيء.. واعتقد بانك اخطأت يا شعبان عندما عرفته على حاتم وعبدالقادر بهذه السرعة.

ورد شعبان:

·       التعليمات جاءتني من ابوالنمر، وقد عملت حسب الاوامر.. وانا لا اعرف بالضبط ما الذي يدور في رأس ابوالنمر.

ورد سالم:

-       ومع ذلك ارى انه لا بد من اتمام عملية الاسقاط اولا كي نأمن جانبنا من ناحيته، ولا اعتقد بان ابي النمر سيعترض على ذلك.

ثم سمع صوت احمد متدخلا:

-       ما يقوله سالم صحيح، فلكي نتاكد من انه لا يشكل اي خطر علينا، يجب اختبار عمر بمهمة لا علاقة لها بالتنظيم في هذه المرحلة.

ورد شعبان:

·       ماذا تقصد؟

وسمع احمد وهو يواصل:

-       اخته شابة.. فلنجربه باسقاطها.. او باسقاط احد آخر من افراد عائلته.

وايد سالم ذلك قائلا:

- نعم .. هذا اختبار جيد.. واسقاط اخته هو افضل الخيارات .. ويمكننا استخدام محل ملابس او احذية لعملية الاسقاط.

وادرك عمر الذي كاد ان يتجمد من البرد في مكانه فوق تلك التنكة على الفور ما كان يخطط له سالم واحمد.. فهم يريدون إخراسه بفضح أخته .. بصور او باغتصاب كما هي اساليبهم كي يظل غارقاً في الوحل الى الابد.

اما حاتم وعبدالقادر فلم يسمع لهما صوتا خلال هذا النقاش الذي تشعب فيما بعد الى امور لم يكن عمر يعي منها شيئا .. لكن معظمها كان يدور حول توسيع الشبكة ورصد كل ما يقال عن الحرب القادمة، ورأي الناس بمبادرة بوش، واذكاء انقسام في المواقف بين فلسطينيي الداخل والخارج.

وكان قد مر من الوقت نحو ثلاث ساعات لم يستطع عمر بعدها التحمل أكثر وهو واقف بثبات، فقد تجمدت اطرافه من شدة البرد مثل صنم جامد فوق تلك الصفيحة وهو يحاول التقاط كل كلمة او جملة كي لا ينساها عندما يعود الى البيت وينقلها الى فارس برسالة مشفرة.

وفي النهاية خذلته ساقاه في لحظة حاول فيها التعلق بيدين لا تكاد اصابعهما تتحرك بحافة النافذة كي يخفف عنهما التعب.. فزلت احداهما عن حافة الصفيحة، وعندما حاول اعادتها الى مكانها بالساق الثانية.. اصطدمت حافتها بالجدار.. وخرج صوت الارتطام قويا في سكون الليل.. وقبل ان يقفز هارباً نحو السور .. كانت أضواء كشافات قوية تضيء كل شيء في المكان على الفور.. وقبل ان يصل الى السور ليقفز عنه من فوق اكياس العلف التي اعدها من قبل.. كان شعبان قد حدد هويته من لون كنزته الرمادي التي كان يرتديها فوق قميص احمر،  والذي لم يستبدله منذ لقاءه الاخير به قبل ثلاثة ايام.

وفي اليوم التالي اختفى عمر من القرية..

وعبثا راح شعبان يحاول العثور عليه او معرفة مكانه لعدة ايام مضت بعد ذلك..

وللخروج مما بدا له انه مأزق يعيد كل الامور الى نقطة الصفر، لم يتردد شعبان في النهاية من ابلاغ اهل عمر بان ابنهم عميل، وان حياته قد تكون في خطر من التنظيم.

اما عمر، فقد امضى ما تبقى من تلك الليلة التي انكشف فيها وهو يكتب تقريراً مشفراً بكل ما سمعه في ذلك الاجتماع، وعندما ارتفع صوت المؤذن لصلاة الفجر.. تسلل خارجاً من نافذة غرفته صوب مسجد القرية منتظراً وصول ابويوسف الذي اعتاد ان يؤدي الصلاة فيه فجر كل يوم.. وما ان رآه حتى وضع التقرير في يده وهو يصافحه وهامسا له بان الامر في غاية الاستعجال.. ثم ابتعد عنه راكضاً على الطريق الترابي منتظراً اية سيارة خارجة من القرية كي توصله الى نابلس، ومنها الى وادي الباذان ليختبيء في منزل صاحب الدراجة النارية الذي اقله الى آخر اجتماع له مع فارس في البيت المهجور في طلوزة.

وفي اليوم الرابع من اختفائه، وقبل حلول المغرب وصلته التعليمات من فارس بواسطة سيارة اجرة توقفت امام المنزل يطلب منه العودة فيها الى القرية.. وان يوافق على كل ما سيطلبه منه شعبان عندما يلتقيه، وان يجيد التصرف.

ورغم ان عمر لم يفهم ما الذي كان فارس يرمي اليه بالضبط، لكنه راح يفكر بما سيقوله لشعبان عندما يلتقيان لتفسير وجوده في زريبة الابقار.. وما الذي سمعه أو الذي لم يسمعه.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق