الاثنين، 26 مارس، 2012

الفصل السابع: بعيدون عن الشبهات

كان اياد ما زال يقظا وممددا على "برشه" على يسار غسان وعيناه في سقف الغرفة كأنما كان يستعرض هو الاخر شريطا من الذكريات عن شعبان الذي قال نعيم انه عميل هو الآخر.

وعندما مال غسان نحوه ليسأله ان كان يعرف احدا من الثلاثة الذين شاركوا في قتل اخيه، اتكأ اياد على مرفقه الايمن ثم قال بصوت منخفض لا يكاد يسمع من بقية المعتقلين الذين راحوا يغطون في النوم تباعا:

·       ربما اعرف عبدالقادر وحاتم.. فانا اذكر هذين الاسمين عندما كنت في الجامعة قبل ان اطارد.. وفي عهد الدكتور جليل عندما كان يدرس فيها .. فقد كان هناك طالبان بهذين الاسمين.

وسأله غسان:

-       هل تذكر شيئا عنهما له علاقة بالدكتور جليل.

ورد اياد:

-       نعم .. وقد حدثت يومها مشاجرة.

ثم جلس مسندا ظهره الى الحائط كما كان غسان، واشعل سيجارة راح دخانها يعلو فيما عيون اياد تتابعها وهي تتشكل حلقات قبل ان تتلاشى في سماء الغرفة هو يقول:

·       يومها كان الدكتور جليل قد انهى للتو محاضرة عن فيزياء الكم شرح فيها نظرية العالم فيلتمان ثابت الكلاسيكية الكهرومغناطيسية التي تشمل موجات الانتقال الى الوراء في الزمن، وكيف تأتي الموجات خلفية/ماضوية الزمن لتوفير الطاقة المحافظة على أثر نقطة في الزمان والمكان، وبشكل ملائم لإلغاء كل "زمكان" آخر.

وفي الساحة بعد الخروج دار حوار بين طالبين حول هذه النظرية، فراح احدهما يحاول اسقاط النظرية على الاحتلال الاجنبي ومقاومة الشعوب في اي "زمكان".. وكان الحوار شائقاً لدرجة انه استقطب طلابا آخرين عندما تحول للحديث عن مفهوم "اشعاع الجسم الاسود"، والذي اسقطه احدهما على القوة الكامنة للمقاومة عند الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي الذي بدأ منذ عام 1967 بعد حقب مختلفة من الاستعمار الماضي والحديث.

وتدريجيا اتسعت دائرة الواقفين في الحلقة نفسها.. بعضهم كان يتدخل مؤيدا أو موضحا.. وبعضهم يبدي رأياً معارضاً.. وآخرون كانوا مكتفين بالاصغاء.

واتذكر ممن كان موجودا بين الجمع حاتم، الطالب في السنة الثالثة في كلية العلوم والذي كنا نلقبه بالمؤرشف لانه لم يكن يترك حدثا او تاريخا او تصريحا سياسيا مهما الا ويسجله في دفتر يوميات سميك رتبه بفهرسة منظمة.. ونادرا ما كان يسأله احد عن تصريح او موقف ما او خبر مهم الا ويفاجىء سائله بذكر رقم الوثيقة المحفوظة عنده عن ذلك.. وتاريخها احياناً.. ثم يستخرجها بالرقم الخاص بها من دفتره.

كما كان من بين الواقفين قبالة حاتم في الحلقة نفسها عبدالقادر، الطالب في السنة الثانية في كلية الاداب، وهو طالب لم يكن احد يعرف انتماءه.. لكنه ما كان يترك ندوة او حلقة نقاشية تعقد في الوسط الطلابي دون ان يكون فيها.. وغالبا ما كان يصطدم في النقاشات مع عبدالقادر ان كانا موجودين في نفس المكان كما حصل في ذلك اليوم.

وقريبا من المتحاورين، وقف طلاب واشخاص آخرين يتابعون بعيونهم الحوار وهو ينتقل من متحدث الى آخر فيما كانت الاصوات تعلو تدريجيا بشيء من الصخب.

وفي لحظة انتقل بها الحديث الى خروج المقاومة من الاردن عقب احداث ايلول عام 1970، وذكر فيها اسم جورج حبش، حتى خرج الحوار عن السيطرة.. وتداخلت الاصوات.. فقد رد حاتم على عبد القادر قائلا:

-       جورج حبش؟ "سأريك الآن من هو هذا الجورج حبش تبعك"..

وعلت الدهشة وجوه الجميع... فلم يسبق لاحد ان اتهم "حكيم الثورة" بما يشين سمعته النضالية والكفاحية منذ انطلاق الثورة اواسط الستينات.. لكن حاتم فتح دفتره وسط هذه الدهشة وهو يردد فيما هو يقلب الصفحات واحدة بعد اخرى:

-       الوثيقة 18.. الوثيقة 18.. آه.. ها هي الصفحة..

ثم ركز عينيه في عيني عبدالقادر الواقف قبالته وهو يقرأ:

- اسمع ما هو مكتوب في هذه الوثيقة: "وقبل احداث ايلول 1970، قام جورج حبش بخطف أربع طائرات أوروبية وأنزلها في مطار المفرق العسكري، وفجرها بالديناميت، وأخذ جميع ركابها الذين كانوا ينتمون لجميع جنسيات العالم رهائن، وفي ذروة الأزمة التي أدت الى هذه الاحداث، هرب إلى كوريا الشمالية"..

وقبل ان يكمل قاطعه حاتم حانقا:

-       حبش يهرب الى كوريا؟ حبش ظل في مختبئا في الاردن.. اما كل القيادات الاخرى فهي التي هربت، وحتى "ابوعمار" .. هل نسيت بانه هرب متنكرا بدشداشة وغترة وعقال البسه اياها الشيخ سعد الصباح؟

واتذكر ان رجلا في اواسط الثلاثينات لا اعرف لماذا كان موجودا في الجامعة يومها تدخل قائلا إن كلام عبدالقادر صحيح، وانه كان في الاردن ايام "ايلول"، وانه يعرف اين كان "الحكيم" مختبئا، وان ما اشيع عن زيارته الى كوريا كان باتفاق مع السفارة الكورية في دمشق من اجل التضليل ومن اجل حمايته من ملاحقة الجيش الاردني.

لكن الجدال لم يتوقف عند هذا الحد.. فسرعان ما تحول الكلام الى لكمات.. وتطايرت الكتب والمقاعد فوق الرؤوس.. وتحولت المشاجرة الى سياسية.. فيما راح البعض ممن كانوا واقفين يحاولون تهدئة الموقف.. اما حاتم وعبدالقادر فقد اختفيا من وسط هذه المعمعة مثل "فص ملح" ذاب فجأة.

وقبل ان يتابع اطفأ السيجارة التي كادت تحرق اصبعه ليشعل منها سيجارة اخرى وهو يقول:

·       لكن ما يحيرني هو موضوع شعبان.

وساله غسان مستفسرا:

-       شعبان من؟

واجابه اياد:

·       شعبان الذي قال نعيم انه يدير شبكة العملاء في قريتنا.. فهذا الرجل معروف عنه انه شخصية وطنية في القرية.. وعنصر نشط فيها.. بل ان هناك من يعتقد بانه مسؤول خفي لا يظهر نفسه في التنظيم.

وقاطعه غسان قائلا:

-       من يعترف منهارا بهذا الشكل لا اظنه قادرا على اختراع الوهم من فراغ، والحكاية التي رويتها لي عن حاتم وعبدالقادر تلقي ظلالا من الشك حولهما.. فلم تستبعد الشك في شعبان ايضا؟

ورد اياد:

·       لا استطيع التصديق فعلا .. فعلى حد علمي شخصيا، فانه ساعد التنظيم احيانا في بعض الامور، لكني لا استطيع نفي الشك ايضا.. فكم من العملاء كانوا مغطين بأردية الوطنية والكفاح.. ولو صدق نعيم حقا، فهذا يعني ان التنظيم مخترق او في خطر.. وفي الحالتين يجب ان نوصل هذه المعلومات باسرع وقت.

واجابه غسان:

-       عدنان المعتقل في قسم ج سيطلق سراحه قريبا.. يمكنك ارسال المعلومات عن طريقه.

ورد اياد:

·       نعم .. يجب ان تصل هذه المعلومة الى فارس باسرع وقت ممكن.

وايده غسان قائلا قبل ان يسحب البطانية لتغطي جسمه:

-       ولا تنس عبدالسلام وحاتم وعبدالقادر ايضا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق