الاثنين، 26 مارس، 2012

الفصل السابع والعشرون: على شفير الهاوية


انقطعت صلة عمر بشعبان، ومع انكشاف أمره التحق بالمطاردين في الجبال خوفاً من انتقام ابوالنمر الذي تفجر غيظاً عندما أدرك ان فتى لم يتجاوز مرحلة الطفولة نجح في أن يضحك عليه ويتسلل الى قلعة عملائه التي كان يظن انه بناها منيعة وغير قابلة للاختراق لاكثر من عشر سنوات..

وحبلت الشهور الثلاثة التالية على اعترافات شعبان بالكثير من الاحداث التي اقامت الدنيا على قدم ولم تقعدها.

فقد ودع العرب عامهم الماضي ليبدأوا مواجهة ساخنة بين تحالف مؤيد لبغداد وآخر تقوده واشنطن بعد ان وجهت أزمة الخليج ضربة قاسية إلى الموازين والمفاهيم القائمة بينهم، فأحدثت شرخاً خطيراً في جسد الوطن العربي.. واعيد عشرات الاف الفلسطينيين مطرودين من غربتهم الى الضفة الغربية وغزة والاردن... وعلق آلاف آخرين منهم على الحدود..

وتماهت الانتفاضة مع لون الحرب .. فقد تجففت منابع تمويل منظمة التحرير التي توزع جنودها جوعى بلا رواتب في عدة دول عربية منذ خروج قواتها من لبنان عام 1982.. واعلنت إسرائيل إن جيشها يعمل انطلاقا من افتراض أن حرباً ستندلع في الخليج ستكون لها عواقب عليها، واعلنت حالة التعبئة العامة في صفوف قواتها للرد على أي هجوم عراقي محتمل، وحشدت المزيد من قواتها على امتداد حدودها مع الأردن، وحذرت الفلسطينيين من تصعيد الانتفاضة اذا اندلعت الحرب..

وبالمقابل زاد الاردن من حجم قواته المسلحة على خط الحدود كأجراء وقائي لتجنب ضربة فجائية، وتعقدت الامور اكثر بصدور انذار دولي بسحب القوات العراقية من الكويت في موعد اقصاه 15 يناير 1990، تبعته حرب على مواعيد للقاء "فرصة أخيرة" بين كل من وزيري خارجية امريكا والعراق مع رئيس بلد الآخر..

ورغم اعلان ابوعمار أنه وصدام لا يصران على حل المشكلة الفلسطينية قبل انسحاب القوات العراقية من الكويت، وتأكيده أن البيان العراقي الذي يربط بين انسحاب إسرائيل من الضفة الغربية، وانسحاب العراق من الكويت، قد اسقط من المطالب القائمة كشرط للتفاوض، الا ان "الميل الاضافي" الذي عرضه بوش لايجاد حل سلمي اخير لازمة الكويت لم تزد مسافته عن لقاء عقد في جنيف لست ساعات وامتد على ثلاث جلسات على اساس " لا مفاوضات، ولا حلول وسط، ولا محاولات لحفظ ماء وجه العراق، ولا ربط بين أزمة الخليج ومشاكل الشرق الأوسط، ولا مكافأة للمعتدي"، وانما لغاية واحدة فقط وهي تسليم "انذار مكتوب" من بوش لصدام رفض طارق عزيز استلامه من نظيره جيمس بيكر.

وفي اليوم نفسه سمعت لاول مرة فكرة فرنسية تختلف عليها مع واشنطن لعقد مؤتمر دولي أو عدة مؤتمرات دولية لتسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي والبحث عن صيغة تضمن أمن منطقة الخليج.

ومع الحشد المتزايد للقوات الذي ارتفع الى 615 ألف جندي بينهم 370 ألف امريكيا، والاف الدبابات والمدافع، وعشرات البوارج الحربية، ومئات الطائرات المقاتلة من امريكا وبريطانيا وفرنسا وايطاليا واسبانيا وبلجيكا وغيرها 31 دولة.. والانخفاض الحاد في الرحلات الجوية الى دول المنطقة.. واجلاء الالاف من رعايا الدول في العراق والكويت واسرائيل ايذانا باقتراب الحرب، حفرت القوات العراقية خنادق دفاعية ضخمة وعميقة على طول الساحل الكويتي، وعلى خط الحدود مع المملكة العربية السعودية، ومدت بداخلها أنابيب مليئة بالنفط الخام من حقل الأحمدي بحيث تشتعل النار في هذه الأنابيب من كافة الجهات حول الكويت لإعاقة أي تقدم عسكري محتمل نحو 510 آلاف جندي و4 آلاف دبابة و2500 عربة مدرعة و2700 قطعة مدفعية حشدتهم في الكويت وحولها.

وبينما استقر الوضع في بيروت بحكومة عينت من دمشق، كان الاتحاد السوفياتي يحصي أنفاسه الاخيرة.. فخرجت كازاخستان لتعلن سيادتها وأهليتها لانشاء جمهورية مستقلة تخدم شعبها.. وسرعان ما لحقت بها قيرغيزيا بقرار مماثل.. ثم في خطوة فاجأت العالم كله اعلن وزير الخارجية السوفياتي إدوارد شيفرنادزه استقالته امام المؤتمر الرابع لنواب الشعب الذي كان ينتظر منه تقديم تقرير عن السياسة الخارجية.

وبات العالم على شفير هاوية موعدها منتصف ليلة ثلاثاء لا يعرف ما سيجري بعد الدقيقة الاولى منها فجر السادس عشر من يناير 1990.

لكن كل تلك الاحداث التي هزت العالم خوفاً ورعباً وقلقاً لم يتوقف لحظة كانت تسير باتجاه مختلف مع عمر الذي عاش فيها اجمل ايام حياته.

فمع تواري المستوطنين في تدريباتهم على استخدام الملاجيء وارتداء الاقنعة الواقية، وانخفاض ظهور الجنود في القرى الجبلية لانشغالهم بسيناريوهات الحرب الوشيكة أينع موسم قطاف الزيتون حبّاَ وارته اغصان الاشجار في ظلال اوراقها الخضراء بين عمر وولاء..

ففي هذا الموسم تتجلى فكرة "العونة"، وتجد جميع افراد العائلة يشاركون في قطف الزيتون.. شيباَ وشباناَ واطفالاَ .. تجمعهم الفرحة والكد والتعب.. اطفال يربطون الى جذوع الاشجار..وآخرون يتسلقون الغصون.. وبعضهم يعانق الثمار من فوق سلالم خشبية.. ومنهم من يهزونها بعصي طويلة، فيما تتحلق النساء حول بساط مفروش على الارض لتنقية الثمار قبل وضعها في اكياس ينقل بعضها للرص في البيوت، وتنقل الحمير معظمها الى المعاصر.

ومنذ اندلاع الانتفاضة تنغصت جمالية هذا الموسم .. فقوات الاحتلال راحت تصادر الاراضي وتجرف في طريقها الاف الدونمات المزروعة بالزيتون.. والمستوطنون اعتادوا شن هجمات منظمة على المزارع والبساتين ليكسروا ويحرقوا المئات منها، وما كان عمر ينسى تلك الذكريات الكئيبة التي خلفتها هجمات المستوطنين في قرى بيت فوريك وسالم وعزموط وبيت دجن ودير الحطب وكفر قليل، والشهداء والجرحى الذين سقطوا وهم يدافعون عن ارضهم واشجارهم.

لكن هدوء ما قبل العاصفة منحه الفرصة للنزول نهاراً الى البساتين للمشاركة مع باقي المطاردين في هذا الموسم الجميل.. اما الاجمل فكان حين تلحق به ولاء او يلحق بها الى احدى الاشجار ليتبادلا من وراء اغصانها الوارفة رسائل الحب المكتوبة على الاوراق او المسجلة على اشرطة "كاسيت".

وما كانت تلك الرسائل تخلو من عجزهما عن التعبير مما كان يتركه الوجد الجارف من الم وأسى في قلبيهما .. وعندما سألته ولاء في احداها عن مصير هذا الحب العنيد غير القابل للتلاقي أبداً في لحظة دفء وحنان كما هو الحال مع كل عشاق العالم، رد عليها عمر "ان القدر كتب علينا اللجوء كما يبدو في كل شيء.. شعبنا لاجيء في المخيمات.. ومطاردينا لاجئون في الجبال.... وثورتنا لاجئة في الكون .. وطفولتنا لاجئة في الحرمان.. وشبابنا لاجيء في المقاومة من خلف المتاريس.. وفرحنا لاجيء في الحزن.. وحزننا لاجيء في النكبة.. وكذلك حبنا ايضاً ..لا تستغربي ان ظل لاجئا في المجهول".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق