الاثنين، 26 مارس، 2012

الفصل الخامس: اغتيال عالم ذرة

بعد "فورة" الصباح كان الموجهون الأمنيون في أقسام معتقل عسقلان قد اتفقوا على أن يتولى واحد من أقدم المعتقلين وأكبرهم حكماً بالسجن التحقيق مع نعيم بدلاً من غسان.

أما نعيم الذي ظل طوال ساعتي "الفورة" محاطاَ بإثنين من المعتقلين وتحت أنظار باقي المعتقلين في قسمه، فلم يظهر أية حركة مريبة من شأنها أن توصل رسالة لأحد الحراس بأنه في خطر.

ومن مكانه وهو مسند ظهره للحائط، وإلى جواره إياد الذي كان يتابع إعداد صناديقه الكرتونية وتفقد أغلفة من معاجين الاسنان، وخيوط من الحرير أحضرها له أهله في الزيارة الأخيرة لحياكة أطراف المجسم بها، جلس غسان مثل بقية المعتقلين مصغياَ على أحرٍّ من الجمر لما سيكشفه نعيم أمام المحقق الجديد أيمن عن مقتل الدكتور جليل.

وما أن انتظمت حلقة التحقيق حتى بدأ نعيم الحديث قائلا:

·       كان ذلك أوائل نيسان عام 1984، وأذكر أن ذاك اليوم كان يوم ثلاثاء حينما اتصل بي ضابط المخابرات ابوالنمر على غير العادة، وأمرني بالإسراع لمقابلته في مكتبه.. ذهبت وانا ارتجف خوفا من ان يكون أمري قد انكشف من قبل المطاردين، واني قد أعدم، فقد سبق ان ابلغني بانه ان وردني اي اتصال منه على رقم معروف ولم اجب، فعلي ان اغادر المنطقة فورا، وان اختفي لعدة ايام.. ولكني عندما وصلت هدأ من روعي وقال لي:

-       اخترتك لعملية دقيقة ومهمة، إن نجحت فيها ستحصل على مكافأة كبيرة.

ثم اخرج من جيب بنطاله ورقة وضعها على المكتب وانا ما زلت اترقب ان اعرف ما يدور، ثم قال:

-       اتعرف ما هذه الورقة؟

حركت وجهي يمنة ويسرة علامة النفي، فتابع:

- انها رسالة من "السي.آي.إيه"..

ورددت مندهشا:

-       السي.آي أيه!!

·       نعم..السي.آي.إيه، انهم يبلغوننا عن شخص مهم درس في امريكا ثم غادرها بشكل عادي دون ان ينتبهوا لخروجه.. ولكنه لم يعد.. ويطلبون منا التحري عنه.

وأجبته:

- هل تريد معرفة مكانه؟

ورد مبتسما:

·       بل ألا يعود لامريكا.

وخرج الجواب مني بتلقائية:

-       تقصد قتله؟

واجاب:

·       يعجبني ذكاؤك، نحن نراقبه منذ مدة، كل شيء جاهز.. داخل بيته هناك من يراقبه.. ومن بيته الى الجامعة وبالعكس هناك من يراقبه... وداخل الجامعة التي يدرس فيها هناك من يراقبه ايضا.

وسألته:

-       ما المطلوب مني اذاً؟

فرد:

·       لن تكون وحدك، هناك ثلاثة آخرون، وسارتب لأربعتكم اجتماعا تقررون فيه موعد التنفيذ.

وسألته:

-       ومن هو الشخص المطلوب؟ وهل اعرف أحدا من الثلاثة الآخرين؟

فقال:

·       الشخص المطلوب هو الدكتور جليل الذي يدّرس في الجامعة، اما الثلاثة الآخرون فسوف تعرفهم قريبا.. ولكن زوجته معنا ايضا، فهي مجندة من قبل السي.آي.إيه من قبل ان يتزوجا.. وسوف تساعدكم في العملية، ولكن ما اريده ان تعرفه الان هو انك من سيقود العملية، واريدها ان تكون عملية نظيفة.. لا تثير اية شبهة امنية من قريب او من بعيد..

وسألته:

-       كيف؟

فرد موضحا:

·       ما يعرفه الناس هو ان هناك خلافا بين عائلة الدكتور جليل وعائلة زوجته، وقد عملنا على اظهار هذا الخلاف علناً بمساعدة زوجته وعملاءنا، واريدك ان تنفذ العملية بشكل يثير الشك في ان لها خلفية اجتماعية او اخلاقية او اي شيء من هذا القبيل. ولكن من دون ان تثير الشك في انها عملية اغتيال.

ثم تابع وهو يقف خلف مكتبه في اشارة الى ان اللقاء قد انتهى:

·       حتى نلتقي.. تولّ مراقبة محيط المنزل.. المداخل والمخارج.. وسأتصل بك لاحقا لأبلغك عن مكان الاجتماع.

وتوقف نعيم طالبا ان يشرب شيئا من الماء يبلل به ريقه الذي شعر بأنه كان يجف أكثر كلما واصل الحديث أمام المحقق أيمن والى يساره من يسجل الاعترافات، ثم تابع:

·       بعد عدة ايام ظللت أفكر فيها بخطة للتنفيذ، التقينا نحن الاربعة بحضور الضابط الذي عرفنا إلى بعضنا في بداية الاجتماع، الاول سائق تاكسي اسمه عبد السلام، وهو الذي كان يتولى مراقبة الهدف من بيته الى الجامعة باستمرار، والاثنان الآخران هما الطالبان في الجامعة حاتم وعبدالقادر اللذان كانا يتوليان مراقبته وتتبع نشاطاته داخل الجامعة. اما زوجة الهدف فلم تحضر، لكن الضابط قال انها ستنفذ ما سنتفق عليه بشان دورها في الاجتماع، ثم بادرني بالسؤال:

·       هل فكرت في خطة؟

قلت

-       نعم.. ولكني بحاجة لمزيد من المعلومات لاختيار الوقت والمكان المناسبين..

فنظر الضابط نحو سائق التاكسي عبدالسلام والذي اجاب:

·       كل تحركات الدكتور جليل تتم في ساعات النهار، وقد تفحصت كل متر فيه تقريبا، ولكني اعتقد بأن من الصعب قتله في شارع لا تهدأ فيه الحركة خلال ساعات النهار.

ثم نظر الى حاتم الذي بدا انه ناقش الأمر مع عبدالقادر مسبقا، فاجاب:

·       نعتقد بانه يمكن تنفيذ العملية في الجامعة بحيث نستدرجه بطريقة ما الى الحمام او الى المختبر، ثم تظهر العملية كانها انتقام للشرف، وبهذا نحمي زوجته من الشبهات ايضا.. لكن الصعوبة في التوقيت المناسب.

ثم عاد بنظره إلي وقال:

·       وماذا عن خطتك؟

فأجبت:

·       خطتي ان نخطفه من المنزل في وقت متأخر من الليل بمساعدة زوجته، ثم نشنقه في مكان ناء، وحتى يعثروا على الجثة نشيع انه انتحر او قتل على خلفية شرف او لأمر يتعلق بالخلاف بين العائلتين.

وهز الضابط رأسه موافقا على خطتي مع انه قال انه كان يخفي خطة اخرى في جيبه، ثم سألني:

·       خطتك جيدة.. وكيف ستنفذها؟

فاجبت:

-       لقد راقبت المنزل ومحيطه جيدا، والعائق الوحيد وقت التنفيذ هو صوت محرك السيارة في الليل ان اردنا الدخول من الباب الرئيسي أو إن صحا احد من الجيران.. لكني لاحظت انه يمكننا الدخول من باب خلفي لا يفصله عن السور سوى مسافة قصيرة.. وخطتي ان تساعدنا زوجته بتخديره ليلة التنفيذ، وندخل انا وحاتم وعبدالقادر الى المنزل باشارة من الزوجة لنكممه ونربطه ونحمله، ثم يساعدنا عبدالسلام من خلف السور بنقله الى السيارة، ونذهب به الى المكان الذي سنتدرب على الذهاب اليه في الليل.

وفي ذلك الاجتماع اتفقنا على الخطة وعلى طريقة تنفيذها، وطلب الضابط منا اختيار مكان الشنق والتدرب عليه جيدا في الظلام..وان نبلغه بذلك عندما نصبح جاهزين لتحديد موعد التنفيذ.

ثم توقف قليلا قبل ان يكمل:

·       استغرق التدريب على عملية الخطف ومكان الشنق نحو عشرة ايام.. وقد اخترت كرما على اطراف وادي التفاح بحيث يسهل الوصول الى عمقه بالسيارة في العتمة.. وكان عبدالسلام يتدرب على الطريق الذي سنسلكه في الذهاب الى المنزل ومنه الى الكرم في ساعات مختلفة من النهار حتى حفظ الطريق عن غيب.. ونحو الثالثة صباحا من كل ليلة كنا نذهب الى المنزل، ونجرب احيانا السير في الطريق من دون انوار كي لا يلاحظنا احد. وعندما اصبحنا جاهزين.. ابلغت الضابط.. فاختار ليلة خميس بحيث يكون اليوم التالي، الجمعة، يوم عطلة. وقال ان إشارة الزوجة ستكون انارة ضوء المطبخ ثم اطفاءه في الثانية تماما.. وإن حدث أي تأخير من قبلنا.. فعلينا ان ننتظر الاشارة كل 10 دقائق بالضبط بعد ذلك. واوضح ان الباب الخلفي الذي سندخل منه هو باب المطبخ نفسه.

وفي تلك اللحظة، كان معظم المساجين في الغرفة قد اقتربوا من حلقة التحقيق وهم يواصلون الإصغاء بصمت مطبق لم يكن يسمع خلاله الا صوت نعيم .. وحتى اياد، فقد ترك مجسم بيته الذي كان يصنعه من صناديق الكرتون وجلس مسندا ظهره الى الحائط مثل غسان عن يمينه وهما يتابعان بعيونهما بقية الحكاية..

وتابع نعيم:

·       في الليلة المحددة وصلنا قبل الثانية تماما وتوقفنا في مكان يمكننا من خلاله رؤية المطبخ رغم ان كل اضواء المنزل كانت مطفأة.. وعندما انارت زوجته المصباح ثم اطفأته حسب الاشارة في الموعد المحدد، تقدم عبدالسلام بالسيارة من دون انوار، وركضنا انا وحاتم وعبد القادر لنقفز من فوق السور.. وعندما دخلنا المطبخ.. كانت زوجته واقفة هناك تحمل شمعة مشتعلة في يد، وباليد الاخرى اشارت لنا عن مكانه حيث كان مخدرا على "الصوفا" في الصالة.. وعلى الفور كممناه واوثقنا يديه خلف ظهره، كما ربطنا قدميه وحملناه خارجين به من باب المطبخ حسب الخطة، واثناء ذلك كان عبدالسلام قد اقترب بالسيارة من السور وفتح باب "الدبة" الخلفي.. واعتلى عتبة باب السائق لتسهيل عملية النقل من فوق السور.. وقفزت انا لأحمله مع عبدالسلام من الجهة المقابلة، ثم قفز الاثنان وجلسا في المقعد الخلفي بينما كنت وعبدالسلام نغلق باب "الدبة".. ومضينا الى المكان المحدد. ولم يستغرق الامر بعد ذلك 30 دقيقة حتى كان معلقا ببيجامته على شجرة، وقد فككنا الاربطة واخذناها معنا.. ولم تكتشف الجثة بعد ذلك الا يوم السبت بعد عشرة ايام.

ثم سأله المحقق ايمن:

-       وماذا عن الثلاثة الاخرين: عبدالسلام وعبدالقادر وحاتم؟

ورد نعيم:

·       عبدالسلام هو السائق، ويعمل على سيارة صفراء خاصة به كما ابلغني اثناء التدريب على عملية خطف وقتل الدكتور جليل، وقد نسيت رقم لوحات تلك السيارة لكن آخر رقمين فيها هما 66، لانهما نفس العام الذي ولدت فيه، كما اذكره أسمر بدينا، وكان طوال مدة التدريب يرتدي بنطالا من الجينز وقمصانا مشجرة بألوان مختلفة. اما حاتم وعبدالقادر فهما طالبان في الجامعة، ويعملان بنفس الشبكة التي يقودها شعبان في قرية اياد.

وفي هذه المرة، كان وقع المفاجأة شديدا على اياد الذي انتفض في مكانه عند سماعه اسم شعبان، ثم تحرك بمؤخرته على الارض نحو حلقة التحقيق موجها السؤال مباشرا الى نعيم:

-       شعبان؟

ورد نعيم هادئا:

·       نعم، هو بشحمه ولحمه.

وحاول اياد التشكيك في ما كان يقوله نعيم، فادار وجهه نحو المحقق ايمن قائلا:

-       لا أعتقد بأن نعيم يقول الحقيقة، فما اعرفه عن شعبان انه وطني. واخشى ان نعيم يحاول تضليلنا أو زرع الشك بيننا.

غير ان نعيم رد على اياد مؤكدا انه لا يقول الا الحقيقة، مضيفا:

- ان لم يتمكن التنظيم من تأكيد ما اقول .. فانتظروا وصول المزيد من قادته الى هذا المكان. وان اردتم فاني مستعد للمساعدة في ذلك.

وحدق فيه المحقق ايمن ملياً ثم قال:

·       انت؟ وكيف؟

ورد نعيم:

·       صدقوني بأني رجل صالح.. وقد تورطت في هذا العمل من غير ان يكون لي حول ولا قوة.. وانتم تعرفون الاسرائيليين.. ولا اريد الخوض في تفاصيل ما فعلوه بي ومع افراد اسرتي كي يجبروني على التعامل معهم، لقد كان الأمر فوق ما يمكن ان يحتمله أي بشر.. لكني أعترف امامكم الان باني كنت اقوم بعمل حقير.. بل وعار على كل انسان تحت الاحتلال ان يفعله.. لكنهم جعلوا مني مثل سكير مدمن، كلما شرب كأسا آخر، كلما زاد ادمانا.. وكلما غاب عنه الكأس كلما زاد وضاعة وخسة، وانا اعرف ان كل هذا لن يشفع لي الآن..

ثم اردف وفرائصه ترتعد من الخوف:

-       اعرف بانكم قد تأمرون باعدامي الليلة.. وقد لا اصحو على الحياة غدا في الصباح.. لكني اقسم امامكم باني اريد التوبة.. والآن.. ولا اريد غير فرصة وحيدة تمنحوني اياها كي اطهر نفسي، او افعلوا بي بعدها ما تشاؤون.

وصمت المحقق ايمن لحظة وهو يتبادل النظرات مع الذين كانوا يشاركون معه التحقيق وتسجيل الاعترافات ثم اجابه:

·       انت لست اول "عصفور" يقع بين ايدينا، ولن تكون آخر الخونة الذين يستيقظ ضميرهم في اللحظة الاخيرة.. ولكن هل تعرف ما هي الفرصة الوحيدة التي نمنحها لهؤلاء كي يعودوا للمجتمع مواطنين صالحين؟

ورد نعيم وما زال يرتعش من الخوف:

·       انا لا اريد العودة الى المجتمع مواطنا صالحا فقط.. بل اريد العودة اليه مناضلا مثلكم.. وانا مستعد لتنفيذ أية مهمة تطلبون.

واجابه المحقق ايمن:

-       هو شرط واحد.. ان تقتل جنديا او مستوطنا..

ومن مكانه، ورغم الصدمة التي هزته بمعرفة سر مقتل اخيه جاء صوت غسان متهدجا:

-       او ما يعادل خسارتنا باغتيال الدكتور جليل..

ورد نعيم وهو يتنقل بناظريه بين المحقق ايمن وغسان قائلا:

·       اقبل هذا الشرط.

غير ان المحقق ايمن رفض اعطاء نعيم جوابا حاسما في تلك الليلة، وبالمقابل طلب منه ان يستعد لتقديم اعترافات كاملة ومفصلة بعد فورة المساء عن كل ما يعرفه من اسماء وعناوين اخرى لعملاء يعرفهم او شارك في تنفيذ مهام استخبارية ضد التنظيم معهم.. واية معلومات اخرى عن عمليات اغتيال يعرفها، والطريقة التي جندوه بها.. وما ادعاه من الضغوط التي اجبروه تحتها للموافقة على التعاون معهم.

كما طلب منه ألا يحاول الاتصال باحد من الضباط حتى يتم البت في أمره من قبل قيادة التنظيم في المعتقل.

وكان نعيم يهز رأسه بالإيجاب وهو يصغي لكل تعليمة، فيما كانت الدموع التي انهمرت غزيرة معظم الوقت اثناء التحقيق تنفجر من مآقيها كلما تقابلت مع نظرات الحزن والاسى المزوجة بالغضب والتي كانت تتفجر من عيني غسان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق