الاثنين، 26 مارس، 2012

الفصل الرابع والعشرون: خطف شعبان


كان المشهد قاسيا في ذلك اليوم..

فقبل صلاة الظهر، كانت كل المحطات الاذاعية التي استحدثت ابان الانتفاضة تبث الحماس في صفوف الناس وتدعوهم للتعبير عن الغضب في الشوارع.. والتوجه الى القدس حيث كانت تدور مذبحة فجرها اقتحام مجموعة من امناء جبل الهيكل اليهودية المتطرفة الى ساحة المسجد الاقصى لوضع حجر اساس للهيكل الثالث.. وقد دخلت معهم قوات كبيرة من الجنود الساحة كانت تطلق الرصاص من دون تمييز على المصلين..

وعندما عرضت الصور على شاشات التلفاز في المساء.. كانت دماء 21 شهيدا واكثر من 250 جريحا من المصلين الذين تصدوا لهم بالاحذية التي لم يجدوا غيرها للدفاع عن انفسهم قد غطت مسافة مائتي متر في المسجد .. وسالت في كل مكان على الأدراج الواسعة .. ولطخت البلاط الأبيض على امتداد ساحة الحرم الواسعة.. ورسمت على حيطان المسجد خطوطا طويلة قانية نزفتها أياد مدماه .. وخضبت ملابس الممرضات البيضاء .. وبدا الشهداء والجرحى والناجون والمسعفون والصحفيون والجنود كأنهم يسبحون جميعا في بحر من الدماء.

ورغم الدم الذي تدفق حارا في عروق عمر وهو يشاهد الصور، الا انه امضى الايام الخمسة التالية في منزله بانتظار ان يأتيه شعبان وفقا لتعليمات فارس..  لكن شعبان لم يفعل، وهو ما جعل عمر يحزم أمره ويقرر الذهاب اليه بنفسه.. وكانت حجته في ذلك معاتبة شعبان على فعلته الشنيعة بفضح امره كعميل امام عائلته قبل ان يترك له مجالا لشعبان لتفسير سبب وجوده في الزريبة.. او يسأله عما كان يفعله هناك؟ او ماذا سمع؟.. واين كان طوال الايام الماضية.

وعندما سأله شعبان الذي استقبله عابساً عند باب البيت عن ذلك رد بهدوء:

·       قلت لي بان الاجتماع سيكون عني.. وقدرت أن من حقي ان اعرف ما ما ستقولونه عني أو تقرروه بشأني.. وكنت اريد ان اعرف ما يدور بدافع الفضول. ..وقد جئت كي أعتذر..

وعندما سأله شعبان عما سمعه.. اختار عمر ما كان يدور في الجزء الاخير من الحوار قبل ان ترتطم ساقاه بالصفيحة ثم قال:

-       كنتم تتحدثون عن المبادرة الامريكية ولكني لم اكد اسمع شيئا.. فما ان وقفت على الصفيحة حتى صدر الصوت، فهربت خوفا من ان تروني.. لكنك رأيتني.

·       ولماذا اختفيت في اليوم التالي؟

-       خفت ان تقوم بعمل طائش أو تعرضني لعقاب من ابوالنمر... ولهذا اختفيت.. لكنك سامحك الله فضحت امري في القرية قبل ان تسمع مني.

ومع ذلك ظل شعبان يحاول الحصول على اجابات مقنعة لاسئلة تفصيلية كثيرة كي يطمئن نفسه بها قبل ان يقول لعمر:

·       على أية حال.. اذهب وانتظر التعليمات.. لقد وصل الامر الى ابوالنمر.. والقرار عنده.

ومع ان عمر شعر بنوع من الراحة لنجاحه في كسر لهجة الشك التي حاصره شعبان بها من خلال اسئلته العديدة والتي كان يجد لكل منها جواباً مقنعاً.. الا ان الوساوس ظلت تحلق فوق رأسه وهو يشاهد في تلك الليلة على شاشة التلفزيون نهاية "العهد العوني" الذي بدأ في 23 أيلول 1988.

كانت دبابات الجيش السوري تطبق على قصر بعبدا الذي يتحصن فيه الجنرال عون، وطائرات السوخوي السورية تدك القصر بالقنابل، والجنرال الذي وعد اللبنانيين بالتحرير والنصر وتحقيق السيادة والاستقلال، اعلن الاستسلام الكامل في بيان أبكى الكثيرين وأفرح الخصوم، ثم حوصر في السفارة الفرنسية تمهيدا لنفيه.



والعسكريون الذين كانوا تحت امرته توزعوا بين النعوش والسجون السورية، والتحقت غالبيتهم بقيادة العماد إميل لحود بطلب منه، اما جنود اللواء العاشر فاختاروا أن يقاوموا حتى النهاية في منطقة ضهر الوحش، فقتل اكثرهم في تلك المعركة.

وفي سماء آخرى.. كانت طائرات امريكية وبريطانية تحلق في مياه الخليج العربي ومثلها من قاعدة انجرليك التركية في الشمال على دفعات لمراقبة التحركات العسكرية العراقية على الارض وحركة السفن الذاهبة والخارجة من العراق والكويت..

وعلى الارض، تجمعت في جدة نحو الف شخصية كويتية في مؤتمر شعبي من بينهم الوزراء والنواب والمعارضون لاعلان إن سيادة دولة الكويت واستقلالها وسلامة أراضيها مسألة غير قابلة للتفاوض أو المساومة، وللمطالبة بالتنفيذ الكامل لقرارات مؤتمر القمة العربي الطارئ في القاهرة وقرارات مجلس الأمن الدولي التي دعت كلها إلى الانسحاب الفوري غير المشروط للقوات العراقية من الأراضي الكويتية، وتأكيد الدعم لعودة السلطة الشرعية لدولة الكويت، وطلب التعويض من النظام العراقي عن كل ما ألحقه في الكويت من أضرار، وإعادة تنظيم القوات المسلحة الكويتية لتأخذ مكانها إلى جوار القوات الدولية في الخليج والتي كانت مصادر البنتاجون تؤكد أن حجم القوات الأمريكية فقط من بينها قد تجاوز 200 ألف جندي حتى ذلك اليوم.

وفي عصر اليوم التالي توقفت سيارة شعبان امام منزل عمر طالبا منه مرافقته الى "مشوار" قصير، فاعتقد عمر ان شعبان سينقل اليه تعليمات ابو النمر.. لكنه لم يكن يعرف بان فارس كان قد ارسل رسالة عن طريق مختار القرية الى شعبان يطلب فيها منه ان يحضر عمر اليه الى مكان محدد ليسلمه للتنظيم.

وفي المكان المحدد توقفت سيارة شعبان بعدما ظل صامتاً طوال الطريق ولا يرد على اسئلة عمر الا بكلمة: قريبا ستعرف.

وفجأة ظهر من بين الاشجار عدد من الملثمين وهم يصوبون اسلحتهم باتجاهيهما.

وقبل ان يدرك عمر ما كان يدور وهو يتألم من ضغط ذراع شعبان حول رقبته بقوة لمنعه من الهرب، أصابته الدهشة عندما التف الملثمون من خلفهما ليمسكوا بشعبان ويطرحونه ارضاً بينما كان يصرخ بان في الامر لبساُ.. وان المقصود هو تسليم عمر الى فارس، ولكن كل صرخاته كانت تتلاشى وتتبدد بين أغصان الاشجار التي كانت تستعد لهجعة جديدة من ليل قارس البرودة.

وما زاد من هياج شعبان اكثر وهو يتلوى كالافعى بين أيدي الملثمين وهم يدفعونه داخل السيارة هو ادراكه اخيراّ بانه وقع في كمين.. وان عمر الذي سمع الملثمين يطلبون منه الابتعاد عن المكان ما كان سوى الطعم الذي استخدمه فارس في هذه العملية لاختطافه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق