الاثنين، 26 مارس، 2012

الفصل الخامس عشر: معلومات مذهلة

طوال الاشهر الخمسة التالية منذ إعترافه باغتيال الدكتور جليل، وشيء ما كان يكبر في رأس نعيم وهو يحاول يوما بعد آخر إثبات صدق توبته وإظهار أن ضميره قد صحا على ماض حقير لطخه بوحل الخيانة والعار الذي لا يمحوه أبداً حتى الموت بطريقة مشرفة.

فما ان اكتملت بقية ذلك الشهر حتى كانت بيد قادة التنظيم في المعتقل ثروة مذهلة من المعلومات الخطيرة.. وكلما كان المحقق أيمن يعتقد ان ما يسلمه نعيم اليه في الليل سيكون آخر تقرير قبل البت في مصيره، كان نعيم يفاجئه في الليلة التالية بتقرير آخر لا يخلو من معلومات جديدة أخطر وأهم.

وكل الحكاية بدأت، كما كتب في التقرير الخاص بتجنيده، من اعلان نشر أوائل الثمانينات في صحيفة عن وظائف شاغرة لعمال في اسرائيل.

كان نعيم قد درس الاقتصاد والعلوم السياسية، لكنه لم يجد عملاً بعد تخرجه من الجامعة سوى عامل بناء في اسرائيل لنحو سنة، وعندما وقعت عيناه على الاعلان قدم طلباً بالفاكس، وبعد عدة أيام جاءه الرد بوجود وظيفة في مركز أبحاث طلب منه في البداية تقارير عامة عن اقتصاديات الضفة الغربية، ولكنهم أبلغوه بعد مدة قصيرة بان المركز أغلق لعدم جدوى عمله، وحولوه الى مركز آخر في القدس يدفع بالقطعة. وكانت صلة وصله مع المركز الجديد موظفة تتحدث بالعربية زعمت في البداية ان اسمها غادة، وانها فلسطينية من الجليل، وكانت تواظب في الثناء على تقاريره، وكانت هي من تولت أمور الدفع له.. وطلب التقارير الجديدة منه.. الى ان دعته ذات يوم الى المركز كي تقدمه الى باحث امريكي زائر اسمه بوب يعد دراسة لمركز في واشنطن يعنى بابحاث ودراسات بالشرق الاوسط.

لكن بوب لم يكن غير ضابط مخابرات اسرائيلي كما اكتشف نعيم فيما بعد...

فبعد ان انتهى من مقابلته في ذلك اليوم، خرج بوب من باب جانبي تاركاً الفتاة وراءه مع نعيم، والذي رأى ان كل ما فيها كان يضج برغبة جنسية عارمة لم تخفها وهي تحاول التقرب اليه بالتعبير عن توقها للانفراد به منذ عمله مع المركز.. وبمساءلته عن علاقاته مع الفتيات.. وغمزات عينيها المتلاحقتين كلما كانت تظهر له شيئا من مفاتنها .. وإيحاءاتها الكثيرة التي كادت ان تطير صوابه في ذلك اليوم، والتي جعلته فيما بعد يكثر السفر الى القدس لقبض ما يستحق له في المركز ولدى بوب..

لكن غايته الدفينة في كل مرة هو التواصل معها.. حيث راحت تدعوه لمرافقتها الى بيت قريب زعمت انها تسكن فيه وحدها.. وفي ذلك البيت الذي رافقها اليه عدة مرات، والذي تكررت سهراته فيه وهو يشرب الخمر فيما هي تتراقص شبة عارية أحيانا أمامه جرته غادة الى السرير مترنحاً أكثر من مرة خاصة في تلك المرات التي كانت تعطيه حبوباً تجعله يشعر بانه طائر يحلق منتشياً في فضاءات من اللذة والمتعة فوق جسدها العاري قبل ان يغط بعدها في نوم عميق لا يفيق منه الا في اليوم التالي.

وفي احدى المرات حملت اليه حقنة مورفين وطلبت منه ان يحقن نفسه بها، وحتى تثير همته حقنت نفسها قبله بحقنة أخرى لتشجعه، ففعل مثلها، وبتكرار ذلك كاد ان يدخل في مرحلة إدمان لولا انه اكتشف ذات يوم بانها تخادعه ... وانها كانت تفرغ حقنتها في كيس مطاطي كانت تلصقه بذراعها.. فهاج وخرج غاضباً من منزلها معلناً حصر العلاقة معها في عمله مع المركز فقط بعدما ظهر انها كانت تنوي تدميره.

وواصل نعيم في تقريره ذاك قائلا:

-حتى ذلك اليوم، كان المدعو بوب لا يطلب منه اكثر من معلومات عادية كان مصدره في معظمها ما ينشر في الصحف او ما يصدر عن الجامعات او البلديات أو الجمعيات أو المؤسسات المحلية من إحصائيات ودراسات.

ولكن بعد ان اكتشف خديعة المورفين، صار بوب يطلب منه ما هو أكثر من مجرد عمل يتعلق بدراسة اقتصادية عامة عن إقليم.. فقد راح يطلب معلومات وتقارير عن شخصيات وأحداث محددة... وعندما طلب منه في آخر مرة النفاذ والوصول الى قيادات في فصائل المقاومة لا علاقة لها بموضوع الدراسة المزعومة، أدرك نعيم انه ربما صار متورطاً بالفعل مع ضابط مخابرات اسرائيلي وليس مع باحث امريكي ظل يحادثه طوال تلك الفترة بانجليزية أمريكية اللكنة.

ولحسم الامر، استقل سيارة الى القدس، وفور دخوله المركز بادر غادة بان تنقل اعتذاره لبوب عن استمرار العمل معه.. لكنها فاجأته في تلك اللحظة بانه يتحدث مع عميلة للشاباك اسمها "ايرما"، وانها اسرائيلية وليست عربية كما زعمت من قبل، وأن عليه ان يصغي جيداً لما سيطلبه منه الكابتن ابوالنمر، وهو نفسه الذي قدمته اليه باسم الباحث بوب.

وللوهلة الاولى لم يكترث نعيم للمفاجأة التي فجرتها ايرما في مسمعه.. فقد كان يدرك ان كل ما كتبه لا يمثل خطورة من أي جانب، وكل ما أرسله حتى ذلك الوقت لم يكن سوى معلومات واحصائيات معروفة، وان كل ما فعله هو جمعها وصياغتها بطريقة أكاديمية.. كما كان متأكداً من أحدا لم يكن موجودا غيرهما عندما كان يلتقان لوحدهما معا في المركز أو في بيتها خاصة في اللحظات الحميمية.

وكان ينوي الرد على أي تخويف ممن أسمته الكابتن ابوالنمر بانه ليس ممن يبيعون أنفسهم للشاباك مهما كان الثمن.

لكن ما جعله يرتج فعلاً هو خروج ابوالنمر في تلك اللحظة من نفس الباب الجانبي الذي خرج منه في المرة الاولى ليلقي امامه مجموعة من الصور قائلاً:

-       وما رأيك بهذه الصور؟؟

وأضاف نعيم في تقريره قائلا:

- لحظتها اصابني الوجوم.. وكدت ان اسقط عن الكرسي الذي كنت جالسا عليه قبالة إيرما.. فقباحة الخلاعة في تلك الصور لم تكن تضاهي قباحة ملامحي وشكلي في كل وضع.. صور يعطي بعضها انطباعات عن إنسان ماجن وضيع يدعو للسخرية والاحتقار.. وصور أسوأ ظهر في واحدة منها جانب واحد من وجهي وقد ألبسوني زيّاً عسكرياً اسرائيلياً وأنا مخدر وأجلسوني قبالة ابوالنمر بزيه العسكري أيضا بما يوحي إننا كنا نتحدث معا حول شيء ما.

وكتب نعيم:

-       يومها ايقنت بان كل ما جرى منذ اليوم الاول كان مرتباً.. وان ايرما وهذا الضابط نجحا في إسقاطي بواحدة من الطرق المعروفة التي طالما سمعت عنها ولكنها لم تخطر في بالي ابداً كلما كنت استسلم ضعيفاً أمام نزوة كنت أظنها عابرة مع أمرأة مثيرة كتلك العاهرة التي كانت جالسة امامي والتي ما أزال أتذكر صوت ضحكاتها الماجنة وأنا أخرج آخر مرة من بيتها غاضباً.

واكمل نعيم في ذلك التقرير قائلا:

-       بعدها صرت رقماً، وأعطاني ابوالنمر إسماً حركياً، وتحولت التقارير التي صرت أرسلها الى رقم فاكس آخر غير رقم المركز الى تقارير أمنية واضحة، عناوينها إستبيانات وإستقصاءات وإستطلاعات يتخللها اثناء اجرائها محاولات للوصول الى معلومات أكثر دقة عن اشخاص محددين.. وتوجهاتهم.. وإهتماماتهم الشخصية.. وتحركاتهم .. والنفاذ عن طريقهم الى آخرين مقربين منهم.. وهكذا.. ثم تطور العمل الى اكثر من ذلك.. فدربوني على عمليات إسقاط وتدريب على السلاح بداعي الدفاع عن النفس، لكنها ترجمت بعد ذلك إلى مشاركات مع الجنود في مداهمات لاعتقال مطلوبين وعمليات إغتيال وقتل كان من بينها عملية اختطاف وقتل الدكتور جليل، وإغتيال القائد الميداني محمود الذي كان من اخطر المطلوبين في تلك الفترة.

واكمل:

-       مع بداية الانتفاضة كان وضعي قد تطور مع ترقي ابو النمر الى مقدم، وتحول عملي معه لامداده بمعلومات عن الحالة الشعبية من مظاهرات ومسيرات وأسماء المسلحين، وإسقاط وتجنيد اكبر عدد من العملاء باغراءات المال والمخدرات والجنس.. وكانت اللقاءات مع عملاء آخرين ومرشحين للتجنيد تتم أحيانا بطلب منه.. فهو الذي كان يحدد المكان والزمان.. وهو الذي كان يأمر ويخطط، وهو الذي طلب مني لاحقاً الالتحاق بدورة كمبيوتر ليتحول ارسال التقارير عن طريق الفاكس الى البريد الالكتروني عن طريق الانترنت.

وفي التقارير التي تلت طوال ذلك الشهر واصل نعيم اعترافات كشف فيها عن شبكة عليا من العملاء قسمها ابوالنمر الذي اصبح عقيداً فيما بعد الى مجموعات كانت كل واحدة منها تعمل في مهمة محددة، وتجتمع بشكل مستقل، إحداها لاطلاق الشائعات وأخرى لتحريك فصائل المقاومة ضد بعضها، وثالثة لاسقاط عملاء وتجنيد متعاونين، ورابعة تتحرك في القرى للوصول الى المطاردين في الجبال.

اما هو فقد اختاره ابو النمر ليكون مسئول الارتباط بين هذه المجموعات، والقناة التي تمر عبرها التقارير.

وكان المفاجيء لقيادة التنظيم في المعتقل وهي تقرأ اعترافاته المكتوبة، الاسماء التي ذكر معظمها باسمها الحقيقي غير الرقم الذي يميزها في الشاباك، فقد كان من بينها أسماء معروفة كثيرة، وقد شرح نعيم كيف دفعوا بوصول بعضهم الى قيادات متقدمة في بعض الفصائل بترتيب مع ابوالنمر الذي كان يمهد الطريق بعمليات اعتقال من يتقدمونهم في الصف الامامي حتى يفسحوا لهم الطريق الى مراكز اعلى، ومن بين هؤلاء شعبان وآخر كان يعلوه مرتبة في التنظيم وهو ما سهل عليهم تجميع الاسماء واختراق صفوف المقاومين.

كما كشف نعيم بعضا من الاساليب الاخرى التي اتبعوها للوصول الى قيادات المطاردين ومنها محاولات الاغراء بالسلاح والمواد الكيماوية الممنوعة والتي يصعب الحصول عليها من الاسواق مثل مادة ثلاثي نيتروتولوين التي تستخدم في صناعة المتفجرات (TNT)، واستخدام أجهزة الكترونية غاية في الدقة منها جهاز لاسلكي مسطح استخدمه في عملية اغتيال القائد الميداني محمود حيث ثبتت المخابرات الجهاز في حشية قميص ملون ظل واحد مثله طبق الاصل مع ابوالنمر عندما طلب منه التردد على منزل شخص ثالث بعد معلومات بان القائد الميداني محمود كان يتردد على نفس المنزل.

وكتب نعيم عن تلك العملية قائلا:

- في يوم اغتياله، كان الوقت قبيل غروب الشمس، واثناء تأديتنا صلاة المغرب وضعت يدي على الجهاز وفتحته، ثم صعدنا للعشاء على سطح المنزل، وفجأة حاصرنا الجيش من كل الجهات، واطلق محمود الرصاص لكنه اصيب بقذيفة مباشرة قتلته على الفور، وظل الحصار مضروباً بعدها لنحو ساعتين قبل ان يطلب الجيش خروج من فيه رافعي الايدي، وكنت أنا من بينهم حيث امسك بي ضابط، وبعد أن تفحص أوراقي أمام الباقين قال "نريد هذا" .. ثم طلب من الجنود نقلي الى سيارة عسكرية أخذتني بعيدا عن المنزل حيث كان ابوالنمر ينتظرني في سيارة عادية، وبعدما أكدت له مقتل القائد محمود طلب مني خلع القميص ففعلت، وناولني القميص الآخر ليستعيد جهاز الإرسال، ثم اخبرني بانه سيتم اعتقالي لفترة بسيطة كما حدث في مرات أخرى سابقة ولاحقة للتغطية على عملي مع الشاباك.

وبعدما انتهى نعيم من كتابة كل ما كان يعرفه أبلغه المحقق ايمن بان قيادة التنظيم في المعتقل وافقت على منحه فرصة التطهر، وطلب منه ان يستمر في علاقته كما كان يفعل وبنفس الطريقة التي كان يستخدمها بواسطة كرة السلة، ولكن ليرسل معلومات كاذبة ساعدت لاحقا في الافراج عن عدد من الموقوفين الذين احضروا معه في نفس اليوم الى معتقل عسقلان من سجن جنيد في نابلس حيث كانت مهمته الحصول منهم على معلومات تساعد التحقيق معهم.

وقبل ان تندلع الازمة بين العراق والكويت، وافق نعيم على خطة اقترحتها قيادة المعتقلين بان يرتب مع الشاباك موضوع خروجه من السجن ليصبح عميلاً مزدوجاً، وكي يثبت التزامه بما وافق عليه لالغاء قرار اعدامه: قتل جندي او مستوطن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق