الاثنين، 26 مارس، 2012

الفصل الثامن والعشرون: عاصفة الصحراء


قبل ان ينتصف ليل الثلاثاء الخامس عشر من يناير 1991، وقف العالم على الحافة بين السلام والحرب، وترك السياسيون للعسكريين صياغة التطورات المقبلة.. نافضين أيديهم من مسؤولية الدمار الذي ستلحقه الحرب القائمة بلا محالة.. فأعلن من أعلن عن أسفه لأن العراق لم يستمع للنصيحة بأن وجود علاقة بين احتلاله الكويت والاحتلال الإسرائيلي في فلسطين هو أمر غير مقبول سياسياً، واستمع مجلس الأمن إلى تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، خافيير بيريز دي كويلار حول زيارته إلى بغداد، ثم إلى مشروع بريطاني-أمريكي معاكس للمبادرة الفرنسية يدعو إلى توجيه نداء عاجل وعلني إلى الرئيس العراقي صدام حسين لكي يمتثل القرارات الدولية حتى يمكنه تجنب الحرب.

وتولى دي كويلار نفسه توجيه "النداء الاخير" الى العراق لسحب قواته من الكويت مناشدا صدام أن يحول مجرى الأحداث عن الكارثة الى اتجاه عهد جديد من العدل والوفاق القائمين على مبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

ووجه الرئيس المصري حسني مبارك نداءً مماثلاً طالباً من صدام أن يتخذ القرار بكلمة واحدة تنقذ المصائر، وأن لا يحجب عن عينيه مشاهد الآباء والأمهات في كل مكان وهم يتضرعون إلى السماء أن يحل السلام، والتجرد من كل اعتبارات ذاتية لإنقاذ شعب العراق واطفاله وأسر شهدائه من ويلات الحرب ورؤى الدمار.

ودعا الملك فهد صدام إلى تقديم البرهان إن كان صادقاً وإعلان الانسحاب الفوري من الكويت، لتعود إليها حكومتها الشرعية، وسحب القوات العراقية المواجهة، على الحدود السعودية.

لكن الرئيس جورج بوش كان قد وقع قرار تخويله من مجلسي الشيوخ والنواب باستخدام القوة لتنفيذ قرارات مجلس الأمن من أجل حمل العراق على الانسحاب من الكويت.

وتبنى البرلمان البريطاني بالإجماع قبيل انتهاء المهلة بسبع ساعات قرار الحكومة بشن الحرب ضد العراق.

وبث التليفزيون الإسرائيلي أن واشنطن وعدت تل ابيب بمهاجمة قواعد الصواريخ في غربي العراق والتي يمكن أن تنطلق منها صواريخ تصيب إسرائيل في حالة اندلاع حرب الخليج.

اما صدام الذي زار قواته في ذلك اليوم فقد اعلن ان جيوشه مستعدة لـ"ام المعارك".

ومع انقضاء الدقيقة التاسعة والخمسين قبل انتصاف تلك الليلة إنشدت الاعصاب في أجواء من القلق والتوتر.. وتحملقت عيون البشر على الساعات المحمولة في الايدي والمعلقة على الجدران لمتابعة الدقائق والثواني وهي تمر انتظاراً لانفجار بركان الحرب وسماع دوي الانفجارات والقنابل في رمال الصحراء..

وفيما أعلن بوش في خطاب عبر التلفزيون عن اعطائه الاوامر لبدء هذه الحرب وانهائها باسرع وقت، رد صدام بخطاب مماثل بدعوة العراقيين الى الصمود، وتاكيده التمسك بتحرير الجولان وفلسطين ولبنان.

وفي الساعة الثالثة والدقيقة الخامسة والثلاثين من صباح يوم الخميس، السابع عشر من يناير، اندلعت الشرارة.. وعصفت الصحراء بانطلاق اكثر من 400 طائرة بمساعدة من القوات الجوية والبحرية الأمريكية والبريطانية والفرنسية والسعودية لتنفيذ موجات توالت بكثافة لمدة اربع ساعات متواصلة ضد الأهداف الإستراتيجية والعسكرية داخل العراق والكويت، فيما كانت عشرات صواريخ كروز توماهوك تنهمر على بغداد بلا توقف من من البارجة ميسوري المرابطة في مياه الخليج، وبوارج حربية اخرى كانت ترابط في البحر الأحمر.

وكان المشهد مذهلاً على شاشة "السي.ان.ان" وهي تنقل من كاميرات ليلية صورة تلونت خلفيتها بالاخضر لنيران القصف الجوي والصواريخ، وسلاسل الطلقات الصاعدة من الارض نحو سماء بغداد التي تلونت بعناقيد بيضاء سرعان ما كان وهجها يتلاشى في ظلمة ذلك اليوم الداكنة والذي انقشعت فيه الغيوم قليلاً.

وعندما أفاق العالم على ضوء النهار .. كانت التقارير الغربية تتحدث عن تدمير 26 منصة صواريخ سكود غربي العراق، وقواعد جوية عسكرية، ومواقع رادارات، ومصنعا للأسلحة الكيماوية في سامراء، ومجمعا للصواريخ المضادة للطائرات، وبطاريات صواريخ، ومركزا للأبحاث العسكرية، وثلاث مجمعات للبتروكيماويات في النويصيب والفالوجة والبصرة، ومركزا لتجارب الصواريخ في الانبار، وتدمير وزارة الدفاع العراقية، التي اشتعلت النار فيها بعد قصفها ثلاث مرات، وتدمير مصفاة في نهر دجلة، وإصابة مركز للاتصالات السلكية واللاسلكية، وإصابة مركز للجيش الشعبي وسط المدينة، واصابة القصر الرئاسي ومطار بغداد، ومراكز القيادة ومراكز الاتصالات، ومحطات الكهرباء، ومركز رشيد سلام للأبحاث، وتدمير المواقع الإستراتيجية والعسكرية في ميناء البصرة، ومركز الاتصالات في المدينة ومستودعات الوقود والذخيرة، شمال مدينة الكويت.

وفي أول ضوء من اليوم أقلعت من البحرين طائرات تورنيدو البريطانية لتقصف تجمعات القوات العراقية في الكويت. وقصفت 12 طائرة فرنسية ـ بريطانية الصنع، من نوع جاجوار قاعدة أحمد الجابر الجوية، داخل الكويت، ودمرت عنابر الطائرات العراقية، ومراكز الدفاع الجوي.

وجاء الرد من الجانب العراقي على الهجمات الجوية باطلاق صواريخ أرض / جو، وإطلاق النار ضد الطائرات، ووجهت المدفعية العراقية نيرانها في السعودية فقصفت مدينة الخفجي واندلعت النيران في سفينة لتكرير النفط وفي أحد خزاناته.

وفي نهاية اليوم الاول كانت طائرات التحالف قد نفذت 1300 طلعة جوية، فقدت خلالها سبع طائرات، ثلاث منها امريكية وطائرتين بريطانيتين وواحدة إيطالية واخرى كويتية، واعترفت فرنسا باصابة اربع من طائراتها. ولجأ نحو 500 عسكري عراقي إلى مواقع الخصوم.

لكن تقارير العراق اختلفت عن ذلك..فقد اعلن أولا عن إسقاط ضعف هذا العدد من الطائرات قبل ان يعلن لاحقا عن إسقاط 60 طائرة، ودعا السكان الى عدم التعرض للطيارين وتسليمهم للجيش، واستيلائه على 23 صاروخا من نوع توماهوك لم تنفجر، وبث صوراً لعدد من القواعد الجوية.. ومواقع آهلة بالسكان .. ومبان مهدمة.. وحفر كبيرة تدفقت من قيعانها المياه من قصف ليلة الجحيم الاولى.

وكان نعيم الذي نما شاربيه وطالت لحيته واصبح متديناً قد أوشك على الانتهاء من كتابة الفصل قبل الأخير من روايته حينما صم الآذان قبيل الفجر صوت قوي اخترق السماء وأيقظ الناس جميعاً .. ودب الضجيج في المعتقلات.. وخرج عمر وفارس والمطاردون من مخائبهم في الجبال.. وأضيئت الأنوار في منزل شعبان.. وصعدت ولاء مع أخوالها الى سطح منزلهم ليروا ان الجميع مثلهم قد سبقوهم الى أسطح المنازل وهم يهللون ويتراقصون فرحاً انتظاراً للتالي من الصواريخ القادمة من الشرق لأول مرة منذ عام 1948.

ومن الثالثة وأربعين دقيقة وحتى الرابعة وخمس وعشرين دقيقة من فجر ذاك اليوم  ظلت صفارات الانذار تدوي بلا توقف.. والاسرائيليون مختبئون في كل ما أعّدوه من ملاجيء لأول مرة باقنعة واقية أظهرتهم على شاشات التلفزيون مثل كائنات فضائية غريبة.. وانتشر الذعر في كل مكان .. وراحت كاميرات الصحفيين تلاحق سيارات الاسعاف والآليات العسكرية وهي تتحرك مسرعة على غير هدى في اكثر من إتجاه.. بينما كانت انفجارات أول دفعة من سبعة صواريخ سكود تتوالى في تل أبيب وحيفا وغرب القدس.

لقد وصل لهيب الحرب أخيرا الى مهاجع الاسرائيليين..وفي صدور الفلسطينيين كان ينفجر مع كل صاروخ كل ما كان كامناً في براكين التوق الى الحرية والاستقلال..

وبدا ان ساعة الحقيقة قد دنت عندما راح المسئولون في تل ابيب يتخبطون في التصريحات بين من يصر على الرد مع وصول صواريخ الباتريوت باطقمها الامريكية من أوروبا في اقل من 24 ساعة على سقوط الصاروخ العراقي الاول، وبين من يرى التماشي مع واشنطن في عدم التورط في تلك الحرب المندلعة هناك بين أعداء عرب يدعمهم غرب تحالف معهم من أجل ان لا يكون مخزون النفط بأيديهم المطلقة.

وفي هذه المعادلة وقعت الانتفاضة بين مطرقة حرب لا يعرف مداها في الشرق وسندان حل بدأ التحضير له في الغرب مشطوبا منه منظمة التحرير.

وعندما عاد من سطح البيت.. خط نعيم بقلمه على رأس ورقة بيضاء عنوان الفصل الأخير: الموت بشرف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق