الاثنين، 26 مارس، 2012

الفصل السادس والعشرون: اعترافات شعبان


عندما أزيلت العصبة عن عينيه .. وجد شعبان نفسه محاطاً بالملثمين في مغارة وقد وقف بينهم فارس، وقد جهّز له قلماً وأوراقاً وجهاز تسجيل وهو يقول:

-       اكتب وردد ما تكتبه بصوت مسموع..

ثم اكمل:

·       إسمك الكامل، عمرك، عنوانك؟

وحاول شعبان عدم الرضوخ لهذا الاستجواب الذي لم يكن يفهم له سبباً حتى تلك اللحظة، لكن أحد الملثمين وضع فوهة بندقيته ليشعر بها وهي تلمس رأسه.

ثم تابع فارس:

-       ليس أسهل من قتلك مثل جرذ في هذا المكان.. ولن يدري بك أحد..ولن يأسف على موتك أحد.. فانت خائن حقير.. ولدينا كل الادلّة...

وحاول شعبان تكرار محاولة الرفض موجها كلامه الى فارس:

·       عيب عليك ما تقوله.. أنت تعرف من أنا، وماذا فعلت من أجل التنظيم..

ورد فارس بهدوء:

-       نعم.. نعرف الآن بانك سلمت عدداً من قياداته .. وساهمت في قتل العديد من المطاردين.... اكتب بصوت مسموع: إسمك، عمرك، عنوانك؟

وقبل ان يحاول شعبان مجدداً، لم يدر من اين جاءته لكمة قوية أدارت راسه في مكانه، وكان فارس ما زال واقفاً وهو يشير بيده نحو الاوراق وجهاز التسجيل آمرا إياه بالاستجابة من دون اية مضيعة للوقت..

ثم قال:

·       كل ماضيك القذر بات معروفاً.. وعلاقتك باغتيال الدكتور جليل.. وكل ما بينك وبين عمر مسجل لدينا..ونعرف كل الشبكة التي تديرها.. حاتم وعبدالقادر وسالم وأحمد ونعيم والسائق عبد السلام والباقين كلهم.. ولائحة الثمانية والعشرين ايضاً.. وهل تريد ان تسمع قصة اعتقال عمر؟.. وابوالنمر؟.. ومحاولة اسقاط أخت عمر؟.. كل ما جرى كان من فعل التتنظيم يا شعبان .. هيا.. أكتب.

لحظتها ادرك شعبان ان أمره مكشوف تماماً، وانه ربما كان تحت المراقبة منذ زمن طويل.. ونعيم انقطع عن العمل معه بتعليمات ابوالنمر منذ نحو عام ونصف تقريباً حينما اختاره للعمل داخل المعتقلات لأسباب لم يعرفها لكنه علم انها كانت تتعلق بخطر على الشبكة.. والسائق عبدالسلام توفي بحادث انقلاب تدهور سيارته عند منحنى حاد في "طلعة اللِبَن" على طريق القدس قبل اكثر من ثلاث سنوات.. وقتل الدكتور جليل عملية طواها الغموض منذ ستة اعوام وما كان أحد يعرف عن دوره فيها الا ابوالنمر الذي طلب منه اختيار شخصين من افراد شبكته للمشاركة في تنفيذها فاختار لها حاتم وعبدالقادر..

ولكن كيف حصل فارس على هذه المعلومات؟ ومن اين؟

كما ادرك ان عمر نجح في مخادعته كل تلك الفترة عندما ذكر فارس لائحة الثمانية والعشرين، واسمي سالم واحمد.. وانه ما كان في الواقع الا عيناً عليه.. وربما على الشبكة كلها ايضاً، وقد كشف عنها كل شيء عرفه، وان سالم كان محقاً عندما تحدث عن هذه الشكوك.. ولهذا فانه مهما فعل الآن فانه قد لا يخرج من تلك المغارة الا جثة قد تتعفن قبل العثور عليها.

فوجه السؤال الى فارس:

·       وهل تضمن حياتي ان اعترفت؟

لكن فارس لم يرد على السؤال.. وانما اعاد تكرار الاشارة بيده لشعبان كي لا يضيع الوقت ويبدأ بالاعتراف.

ولم يكن امام شعبان مفراً في النهاية الا الرضوخ، فهو ان رفض حتى من دون ان يعترف فان ثمن حياته لن يكون اكثر من رصاصة من الرشاش المصوب اسفل رأسه في بطن تلك المغارة التي لا يعرف في اي جبل هي، فراح يكتب بيد مرتعشة ويسجل بصوت مذعور كل ما كان يسأله الملثمون عنه بدءا من عملية تجنيده عام 1977،  مرورا بدوره في اغتيال الدكتور جليل، وانتهاء بكل ما دار في اجتماع تلك الليلة التي انكشف فيها عمر كعميل مزدوج كان مكلفاً بمهمة لاختراق شبكته.

وبعدما انتهى من ذلك، جمع فارس الاوراق وأغلق جهاز التسجيل، ثم أخرج منه الشريط ولوّح به امام شعبان قائلاً:

-       هذا الشريط.. وهذه الاوراق.. ثمنها رقبتك.. هل تظن بان احداَ سيلومنا الآن لو اعدمناك مثل كلب ضال في هذا الجبل؟

وكانت كل اوصال شعبان ترتعد خوفا وهو يسمع ذلك..فقد خشي ان الملثمين لن يتركوه يخرج حيّاً بعد ان حصلوا منه على اعترافات صريحة بالعمالة والخيانة.. لكن فارس قلب شيئاً من مزاجه المذعور عندما القى له بطوق من النجاة قائلا:

-       ومع ذلك سنمنحك فرصة.. ولكن بشرط..

وظل شعبان صامتا وهو يصغي:

·       لن يعرف أحد بما جرى، وسوف نحميك ان وافقت على العمل معنا من الآن فصاعداً.. تبلغنا بكل ما يطلبه منك من ابوالنمر.. وتمرر تعليماتنا لينفذها أعضاء الشبكة بالطريقة التي تخدمنا.. وتظل صلتك قائمة مع عمر..هل فهمت؟

وهز شعبان رأسه المطأطأ نحو الارض وما زال غير مصدق بانه لا يوجد في العرض لعبة يشتتون خلالها ذهنه قبل ان يقتلونه في اية لحظة برصاصة لن يدري من اي اتجاه ستنطلق.. او انه قد يخرج فعلاً من باب المغارة كي يرى الضوء مرة أخرى خارجها.. لكن فارس راح يوضح اكثر من كان يعرضه عليه:

-       نحن لن نخسر، وانت لن تربح لو أعدمناك الآن.. ولكن فرصة الحياة التي سنمنحها لك ستفيدك ان أفدت بها شعبك..والأمر بيدك.. وقد وضعت في يدنا دليل بعثك الى جهنم من دون ان تعرف من اين سيأتيك الموت..ماذا قلت؟

وكانت الرسالة واضحة لشعبان: عميل مكشوف منح وقتاً للصلاة قبل تنفيذ الاعدام.. ولم يكن أمامه أفضل من عرض كهذا ليخرج مرة اخرى من هذه المغارة المعتمة الى نور الحياة..

لكنه ما ان عاد الى القرية بعدما اوصله الملثمون الى سيارته في مكان آخر حتى انقلب على كل ما أتفق عليه.. وراح يشيع في القرية بان فارس اختطفه وعذبه، واجبره على توقيع اعترافات كاذبة تسيء الى سمعته الوطنية.. كما راح يدور على البيوت التي كلف عمر باسقاط ابنائها ليحذرهم منه.. وكانت غايته في كل ذلك ان "يتغدى" بالتنظيم قبل ان "يتعشى" التنظيم به.

ومما كان يعرفه من معلومات، وبمساعدة افراد شبكته نجح شعبان اخيراً في اثارة خلاف عشائري كبير في القرية، وشقها الى مؤيد له ومن بينهم عناصر من التنظيم من عائلة شعبان من واقع ما يعرفون عنه من سمعة وتاريخ في الوطنية، وبين مؤيد للتنظيم ولفارس الذي اضطر اخيراً الى عرض اعترافات شعبان بالصوت والصورة لاظهار الحقيقة.

لكن الخلاف ازداد اتساعاً، ورغم تدخل قيادة الانتفاضة والوجهاء وكبار القرية في محاولة لمصالحة الطرفين، الا ان احداً لم ينجح ازاء تمسك فارس بالادلة التي لديه، وتمسك شعبان بتقديم اعتذار علني من التنظيم عن تشويه صورته الوطنية امام الناس.

كما تدخل ابوالنمر ولكن بطريقة اخرى، فقد عرض على المختار ان ينقل الى فارس رغبته في اللقاء معه في اي مكان يريده لغرض واحد، وهو ان يقنع فارس بالتخلي عن المقاومة وتسليم نفسه مقابل السجن لمدة ستة اشهر لا يطارد بعدها، واما ان يقنعه فارس بغير ذلك، وفي الحالتين تعهد ابوالنمر ان لا يقدم على اعتقاله أو اغتياله. لكن فارس سخر كثيراً من هذا العرض.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق