الاثنين، 26 مارس، 2012

الفصل السادس عشر: تجنيد عمر


في اليوم الثاني عشر من اعتقاله وجد عمر نفسه واقفاً للمرة الثانية أمام الضابط  نفسه، لكن ملامحه لم تكن بالصورة نفسها التي رآه فيها في المرة الاولى.. فبمجرد ان دخل الى الغرفة.. نهض الضابط مبتسماً، ومد يده لمصافحته وهو يعرف عن نفسه باسم أبو النمر، وطلب منه الجلوس على الكرسي المقابل.. ثم بادره بالحديث:

·       تاخرت عليك.. لكني اعطيت تعليمات بعدم مضايقتك في السجن..

وتابع وهو ينظر اليه مستفسراً:

·        هل ضايقك أحد؟

وظل عمر صامتاً فيما أكمل ابوالنمر قائلاً وهو يدفع نحوه بكوب من الشاي وعارضاً عليه سيجارة امتنع عن تناولها باشارة من يده..

·       والآن يا عمر.. هل تخبرني عن حكايتك مع التنظيم؟

ورد عمر:

-       أية حكاية؟ وأي تنظيم؟ ليست لي اية علاقة باي تنظيم.

ورد ابوالنمر:

·       نعرف انهم فصلوك .. لماذا؟

ورد عمر بجواب لم يخل من سرعة بديهة بعد لحظة تفكير قصيرة:

-       ان كنت تقصد ذلك.. فانا لا اعرف اصلاً لماذا صدر بيان الفصل.. فانا لم أكن يوما عضواً في التنظيم.

·       ولكنك كنت معروفاً في المدرسة بانك واحداً منهم.. لا تظن باننا لا نعرف كل شيء عنك..

لكن عمر رد هادئا:

-       نحن طلاب.. ولنا رأينا.. وقد تتفق الآراء احياناً، وأحيانا نختلف.. لكني لم أكن ابداً في التنظيم؟

ثم فاجأه ابوالنمر:

·       وفارس؟

ولم يدرك عمر على الفور ما المقصود من هذا السؤال.. وما اذا كانوا قد نالوا من فارس، او ان تعرض لأي أذى.. لكنه بدأ يشعر بانه يُستدرج الى شيء ما، وكي يستكشف ما يريده الضابط الجالس قبالته رد قائلا:

-       تقصد فارس الذي ما زال مطارداً في الجبال؟

ورد ابو النمر مؤكداً:

·       نعم

وكان في اجابته ما بعث الاطمئنان في نفس عمر الذي تابع السؤال قائلا:

-       انه أحد أقربائي.. وأنتم تطاردونه، وهو لا يكاد يُرى في القرية، ولا أحد يعرف مكانه.. حتى زوجته.

غير ان الضابط رد قائلا:

·       انا لا اسألك عن مكانه.. نحن نعرف كل المناطق التي يتنقل فيها .. وعاجلاً ام آجلاً سوف يقع بين ايدينا مثل غيره حتماً.. لكني اريد ان اعرف عن علاقتك به؟ وماذا كان يطلب منك؟ وما الذي فعلته من اجله؟

لحظتها شعر عمر بان ابوالنمر كان يتحدث بلسان شعبان.. فهو الوحيد الذي أخبره عن هذا الشكل من العلاقة مع فارس.. كما انه لم يفوت فرصة للقاء بينهما دون ان يعرف معلومة جديدة عن مدى هذه العلاقة، ومع ذلك حافظ على حالة الخوف التي ظل يتظاهر بها عمداً من اول التحقيق وهو يكمل:

-       كان هذا في الماضي وقبل ان يصبح مطارداً في الجبال.. وقد اوقفتموني اسبوعين على ذلك وخرجت بغرامة 3000 شيكل.

ورد ابوالنمر:

·       انا لا اسألك عن الماضي.. بل عن السبب الذي جعل فارس يصدر بياناً بفصلك.. كل الناس يعرفون بان فارس هو الذي اصدر البيان. وهو الذي أرسل ملثمين ليضربوك عندما مزقت صور قادة التنظيم في سوق القرية.. وأنا أريد ان اعرف منك لماذا فعل بك ذلك.

وببداهة أيضا حاول عمر ان يحرف اتجاه الحوار قائلا:

·       صدقني لو قلت لك بانه لم يوجد شيء مهم يربطني بفارس.. ولو كان الامر كذلك .. فماذا سيكون في رأيك؟ ماذا يمكن لمطارد ان يطلب من طالب حلمه ان يكون طبيبا مثلي؟

ورد ابو النمر قائلا:

-       اوه.. هناك الكثير..

وقبل ان يواصل قاطعه عمر مسترسلاً بحالة من الهجوم المعاكس:

-       ان كنت تقصد المظاهرات.. نعم شاركت فيها.. وان كنت تقصد المواجهات.. نعم كنت فيها.. وكان يطلب مني ان احرض الطلاب على المواجهة والخروج الى الشوارع.. وتوزيع المنشورات.. وهذا كل شيء .. وهذا ما يفعله الآن كل الطلاب في المدارس.. ولا أحد يمكنه وقفهم.. ومن لا يشارك في ذلك فاقل ما يوصف به الخيانة والعمالة.. وقد يضرب ويهان.. أو ربما يعدم .. وانا يهمني مستقبلي..

ثم اردف قائلا:

-       هل تظن بان ما لحق بي كان قليلا رغم اني لا اعرف سببا لذلك حتى اليوم؟

غير ان ابوالنمر الذي بدا مصغيا لكل ما كان يقوله عمر، رد بهجة حازمة هذه المرة قائلا:

·       اسمع يا عمر، واسمعني جيدا.. حتى الان لا يعتبر هذا التحقيق رسميا.. ولا شيء مسجلا ضدك.. لكنها جلسة خاصة بيني وبينك.. وانت تتحدث مع عقيد.. أهلك الذي يبحثون عنك منذ أسبوعين يعلمون الان بانك قد تخرج خلال اسبوع لعدم ثبوت شيء عليك.. لكني قد اغير هذه الحقيقة بتحويلك لاعتقال اداري لا فكاك لك منه، وقد أدمر مستقبلك.. ما زلت أعاملك باحترام حتى الآن .. والامر بيدك.. ان وافقت على ما ساقوله لك، سوف أقف الى جانبك .. وسوف اساعدك.. وستكمل تعليمك في المكان الذي تريد.. وان رفضت، فتخيل ما يمكن ان تفعله عدة سنوات من السجن بمصيرك، ويكفينا ان نستند الى بيان فصلك من التنظيم لتفصيل التهمة.. والتهم عندنا كثيرة وجاهزة، والمحكمة العسكرية لا يهمها التحقق من مسرح العمليات، وسوف يأخذون بما سنتهمك فيه.. ماذا قلت؟

ومع انها كانت رسالة تهديد واضحة تلاها الضابط ابو النمر بطريقة صارمة، الا ان عمر ادرك في تلك اللحظة ان الامور ربما كانت تميل الى صالحه لو كان لشعبان علاقة بما يجري.. لكنه ادرك ايضا ان ابو النمر الذي انعكست جديته في الاحمرار الذي علا صلعته ربما كان يتحدث في اتجاه آخر لا علاقة له بشعبان او بغيره، وانما بالوضع الذي آل اليه منذ ان راحت سمعته تتشوه يوما بعد آخر وفقاً لخطة التنظيم.

وقبل ان يستغرق في التفكير اكثر كان ابوالنمر يتابع رسم الصورة المظلمة في وجه عمر ان رفض ما سيطلبه منه قائلا:

·       انس الثورة والثوار.. هل تعرف ما يكتبونه عن عرفات اليوم في الصحف العربية؟ وما يقولونه عن الفلسطينيين في الفضائيات بعد موضوع الكويت؟ لقد تخلى العرب عنكم، وبانتظاركم أيام سوداء.. وهذه الانتفاضة مصيرها الفشل، ولن تحصدوا غير مزيد من الدم والقتلى في صفوفكم طالما ظل هؤلاء الحمقى والمخربين مسلحين في الجبال.. لكن اسرائيل لا يهمها كم سيطول ذلك.. وانت شاب.. وتهمك مصلحتك الشخصية في النهاية.. اليس كذلك؟

وفيما كان يحملق في ابوالنمر منتظرا ان يفصح عما يريده منه رد عمر:

-       بالتأكيد

واكمل ابوالنمر:

·       اذن خذ قرارك الصائب الآن: ساعدني اساعدك.. فاما ان نخرجك بطلاً مرفوع الرأس لم نستطع انتزاع اعتراف منه، او ان تمضي عدة سنوات مشبوها مثل "العصافير" في السجن لشيء لم تفعله.

وبعد تفكير سريع رد عمر كأنما يوازن بين الخيارين:

-       ولكني لا اعرف كيف يمكنني ان أساعدك..

فرد ابوالنمر مبتسماً:

·       هكذا.. الآن يمكننا التفاهم بشكل أفضل.. وستعرف فيما بعد ان وافقت.. وعموما، فانا لا اريد منك الكثير.. اشياء بسيطة لن تعرضك لاي اذى مثلما فعله التنظيم بك.

وحاول عمر جاهداً ان يتخيل ما يمكن ان يطلب منه، لكنه رد قائلا:

-       أنت تطلب مني التعاون معكم.

ورد ابو النمر مؤكدا:

·       بالضبط

-       يعني ان اصبح عميلا؟

·       ليس بالضرورة ان يكون المتعاون عميلا.. كما ان احداً لن يعرف بالامر، سيظل الامر بيننا فقط، وقد لا اطلب منك الكثير.

وصمت عمر برهة وهو يواصل التفكير ثم قال:

-       هل تعطيني فرصة كي افكر؟

ورد ابوالنمر:

·       لا مانع.. هل يكفيك يوماً؟

ورد عمر:

-       نعم..غداً أرد عليك..

وحتى صبيحة اليوم التالي كان عمر قد حاك جيداً خطة الرد في الليل، وكان كل ما يهمه هو ان يقتنع ابوالنمر بالشرط الوحيد الذي وضعه من أجل قبول التعاون معه.

وعندما سأله ابوالنمر عن ذلك الشرط رد قائلا:

·       ان لا تكون لي اية صلة او لقاء من قريب او بعيد بأي اسرائيلي او إسرائيلية .. حتى أنت.

وفهم ابوالنمر من عمر انه يرغب في التركيز على ترميم سمعته التي لطخها التنظيم، وانه يريد ان يجتاز امتحانات الثانوية بهدوء ليكمل بعدها دراسة الطب..وانه لا يريد ان يصله قريبه فارس ليطلق عليه الرصاص بيديه مثل الخونة والعلماء ليظل بطلا على حساب سمعته..

ولذلك، فكر ابو النمر قليلا ثم قال:

-       وليكن.. ستكون علاقتك مع عربي مثلك، ويمكنك اعتباره مسئولاً عنك وهو ضابط مثلي.

ورد عمر:

·       هل يعرفني او اعرفه؟

واجاب ابو النمر:

-       ستعرفه.. اذهب الآن واستعد للخروج عصر اليوم من السجن.. وان سألك احد قل ان التحقيق كان متواصلاً كل يوم عن عناصر التنظيم الذي شوهوا سمعتك والذين آذوك، لكنك تمسكت بالانكار ولم تعترف عن احد، واننا لم نكن نملك دليلاً آخر ضدك، لذا افرجنا عنك.. اما الذي ستعمل معه فسوف تعرفه من كلمة سر حينما يعطيك شيئا وهو يقول "هدية ابوالنمر".

وقبل ان يودعه من المكتب، فتح ابوالنمر درجا واخرج منه مظروفا ناوله لعمر.. وعندما فتحه، وجد بداخله 200 شيكل نقدا قال له ابو النمر انها قد تلزمه في طريق العودة الى البيت، ثم طلب منه التوقيع على ورقة كانت جاهزة.

ووقع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق