الاثنين، 26 مارس، 2012

الفصل الأول- سعد الخبايا


منتصف مارس/آذار 1990



ربما هي الصدفة.. أو ربما هو القدر الذي دفع أحداث أسبوع مضى لتلتقي في تلك الليلة في بيت زحف إليه الظلام مضمخاً بعبق أزهار اللوز المحمرة في نواره الأبيض.

كان يوم آخر من المواجهات والمظاهرات قد إنتهى بسقوط شهداء وجرحى .. وظل الجنود من بعدها كامنين وراء الزوايا والمتاريس بمدرعات وآليات مصفحة حتى ساعات المساء..

أما الأطفال فقد ظلوا ينتظرون اطلالة أي شيء يتحرك من ناحيتهم ليمطروه بالحجارة من أماكن مقابلة تناثرت فيها أكوام من "الدبش" و"الطوب" المكسر، وعلت فيها سحابات متباعدة من دخان إطارات ما كان ينطفىء أحدها حتى يشتعل غيره على الفور.

كان ذلك آخر يوم من أسبوع "سعد الخبايا"، حيث "تظهر الحيايا ويصبح المطر كالهدايا" كما يقول الفلاحون... لكنه أسبوع كان ينذر بتحولات في مصائر كثيرة راحت عناوينها تتوالى تباعاً في نشرة التلفزيون المسائية:

فالجامعة العربية نقلت أمانتها العامة من تونس إلى القاهرة..

وقادة اليمن كانوا يواصلون في تعز اجتماعات  لتوحيد الشمال مع الجنوب بعد حرب أهلية أراقت دماء غزيرة في الجبال والسهول.

والمسيحيون في لبنان ما زالوا منشغلين في "حرب الغاء" بدأها رئيس الحكومة العسكرية ميشال عون مدعوماً من سوريا منذ أكثر من شهرين قبل أن يعيد توجيه المدافع ضدها في "حرب تحريرية" في نهاية العام لإخراج قواتها من لبنان.

ومن العراق أنباء عن حشود للجيش على حدود الكويت بعد فشل وساطة أردنية مع دول الخليج حول خلافات على ديون ونفط.

وفي النشرة نفسها راح الفتى عمر يتابع مع أهله صورا لإنهيار حكومة شامير بسحب الثقة عنها في "الكنيست" بعد توتر مع واشنطن بشأن مطالب واضحة بوقف الاستيطان في الاراضي التي احتلتها اسرائيل عام 1967.

لكن ما حول اهتمام عمر عن متابعة بقية النشرة، وعن إحتفالات الأفارقة المستمرة منذ خمسة أيام بخروج زعيمهم نيلسون مانديلا بعد سجنه 27 عاما في نظام عنصري مشابه، هو ما تناهى إلى سمعه مما قالته والدته التي كانت تعد أكواباً من الشاي وهي تقدم أحدها لوالده:

-       هل عرفت بأن البنت ولاء هربت إلى بيت أخوالها؟

كان السؤال مثيرا لإهتمام الجميع .. وخاصة عمر.. فبالاضافة الى والده الفلاح الذي لم يخلع "قمبازه" بعد.. تحولت أنظار عمر وشقيقته التي تصغره عاماً والتي كانت جالسة على الأرض بجواره، مع أنظار بقية اخوته نحو أمهم ليسمعوا منها بفضول بقية الحكاية فور أن سألها الوالد مستفسراً:

* ولاء من؟  إبنة حليمة؟

وردت الأم:

- نعم .. حليمة زوجة عبدالسميع.

* وهل عرفت السبب؟

- لا أحد يعرف بعد.. و"نسوان" أخوالها متكتمات على الموضوع..

ثم تابعت:

-       "الله يستر على ولايانا وعلى جميع الولايا"..

وعندما سمعها تقول ذلك، ظن عمر كما ظن والده أيضاً أن في الأمر شيئاً يمس الشرف.. فسألها للتأكد، لكنها ردت:

·       لا أعرف .. "النسوان" لم يلمحن الى شيء.. لكنهن يقلن إن هناك مشكلة  بين  البنت وبين أبيها وأمها، وهي تصر على عدم العودة إلى رام الله حتى لو ذبحها أخوالها مثل عنزة.

-       وماذا يقول أخوالها؟

·       أخوالها مترددون، عدا أصغرهم حسام .. "فهو الوحيد اللي شادد على ايدها وما بدو اياها ترجع".

ورد الأب وهو يحاول إيجاد سبب ما يفسر به ما كان ينوي قوله بصوت مرتفع:

·       "المشاكل كثرت بين الاولاد وأهاليهم هالايام، الله يرحم أيام زمان.. ما كنا نستجري نرفع عيوننا فيهم.. واللي يقولوه يمشي على رقابنا مثل السيف".

وردت الأم:

-       صحيح.. "بس الله يبارك في اولادنا.. والله بيرفعوا الراس".

وعندما أكملت قائلة : "يا خبر اليوم بفلوس بكرة ببلاش"، عادت عيون عمر الى شاشة التلفزيون لمتابعة بقية النشرة، لكن تفكيره حاد إلى إتجاه آخر..

إنه لا يعرف ولاء، لكنه يتذكرها .. فتاة في نفس عمره وطوله تقريباً.. سمراء جميلة.. عيناها ملونتان واسعتان.. ونهداها المكتنزان كانا يكادان يفرّان من فتحة البلوزة في أعلى صدرها عندما رآها لمرة واحدة قبل عامين تقريباً.. وكانت ساقاها الطويلتان التصقتا ببنطال من الجينز الأزرق .. ولها شفتان رقيقتان.. وشعر أسود كثيفاً تدلى إلى ما تحت رقبتها الطويلة.

كانت يومها قد قدمت مع والدها ووالدتها لزيارتهم في المنزل في زيارة قصيرة، لكنها تركت منذ ذلك اليوم صورةً لم تنمح بعدها أبداً من ذاكرة عمر..

كان ذلك عندما التقت عيونهما لمرة وحيدة لكنها سرعان ما أشاحت بصرها عنه بعدها خجلاً في لحظة سرت أثنائها في قلبه خفقة كالخدر اللذيذ هزت كل كيانه.

وقد ظل يومها منتظراً بقية الزيارة آملاً ان تلتقي العينان مرة أخرى.. لكن ولاء رحلت دون أن تفعل.

أما أصغر أخوالها حسام، فهو يكبره بعام ونصف، لكنهما يعملان في خلية واحدة في التنظيم منذ عامين.. وبالتحديد منذ اليوم التالي الذي أعلن فيه أبوعمار إعلان الإستقلال من قاعة قصر الأمم في نادي الصنوبر في الجزائر..

يومها كان برد "المربعنية" القارس يوخز الوجوه بلسعاته الحادة .. ويتسلل إلى تحت الملابس الشتوية والبطانيات الثقيلة التي يكسوها الفراء من الجانبين.

 ورغم انخفاض درجة الحرارة في ذلك اليوم إلى تسع درجات، وزمجرة الرياح الباردة بسرعة عاتية، لكن الهتافات تعانقت مع زخات المطر.. وفر المنخفض الجوي القادم من القطب الشمالي نحو الشرق.. ودوت زغاريد النساء حتى وصلت مسامع أولئك الجنود الذين كانوا يختبئون في مدرعاتهم الحصينة وهم يصوبون رشاشاتهم بإتجاه الاطفال .. وخرجت المسيرات تجوب الشوارع في الليل رغم عصف الرياح الباردة وتحت زخات المطر .. وتقافز الذين كانوا يلتحفون في بيوتهم بالبطانيات والأغطية الثقيلة وهم يتعانقون في لحظة ابتهاج غمرتها دموع طاغية من الفرح طالما اشتاقوا اليه بعد كل هذا السيل الذي قدمته الانتفاضة من الدماء وقوافل الشهداء التي مضت.. والمعتقلين الذين اقتيدوا للسجون .. والمعاقين .. والأرامل.. واليتامى الذين لم يضق بهم حلم التحرير والعودة بعد.

يومها كان حسام محمولاً على الاكتاف وهو يهتف للحرية ولفلسطين.. وكان عمر وراءه في الصف الثاني بين الجموع وهي تردد بصوت واحد كل هتاف يتوالى بتوق الى النصر والتحرير.

وعندما تفرق الجمع بالرصاص وقنابل الغاز المسيل للدموع التي اطلقها الجنود بكثافة، وجد عمر نفسه مع حسام يتوحدان تحت أزيز الرصاص و"خنقة" دخان القنابل في توزيع البصل والمحارم الورقية على بقية المتظاهرين لكفكفة الدموع قبل إستكمال المواجهة من زاوية أخرى في الشارع.

-       ولكن ما حكاية ولاء؟ ولماذا يعارض حسام بقية إخوته في موضوع عودتها إلى أمها وأبيها في رام الله؟

ذاك هو السؤال الذي ظل يلح على عمر بحثاً عن إجابة مقنعة فيما تبقى من سواد تلك الليلة التي ظلت معبقة بأريج أزهار اللوز المنبعث من بين أشجار كثيفة تحتضن القرية بكرومها وبساتينها من كل جانب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق