الاثنين، 26 مارس، 2012

الفصل الثاني عشر: مشوار الى تل ابيب

مرت ذكرى الخامس من حزيران في ذلك العام وهي تحمل آمالاً جديدة سرعان ما تبددت في نفس الشهر.. فشامير عاد الى السلطة بحكومة اختارها من سبعة أحزاب دينية متطرفة رفضت خطط السلام مع الفلسطينيين.. والرئيس الامريكي جورج بوش الأب أوقف الحوار مع منظمة التحرير الذي دام سنتين بعد ان رفض رئيسها ياسر عرفات إدانة عملية هاجمت فيها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة الشواطيء الإسرائيلية.

وفي روسيا ظهرت بوادر لتحرك استقلالي أعلنت خلاله السيادة في روسيا بعد نحو شهر من انضمام لاتفيا لقائمة الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفياتي، ثم تبعتها اوزبكستان فملدوفيا في اجراءات مماثلة.

وكان التوتر يزداد حدة بين العراق ودول الخليج حول انتاج النفط وأسعاره من جهة.. وبين العراق واسرائيل من جهة أخرى مع دخول الأميركيين على الخط بادعاء أن العراق سيكون قادراً على إنتاج أول قنبلة ذرية خلال فترة تتراوح بين سنتين وخمس سنوات، وانضمام الاوروبيين الى الحملة المعادية التي اطلقتها اسرائيل ضد بغداد.

ومن عادة الفلاحين الذين ما زالوا منشغلين في حصاد القمح وبذاره ان يقولوا عن شهر حزيران: "خلى الأقرع حيران"، أو "ضاق الوقت عالسهران"..

وكان الاقرع شعبان.. والسهران عمر..

وفي أحد الايام التي كان فيها العالم منشغلا بنهائيات كأس العالم في ايطاليا، كان شعبان عابراً بسيارته عندما رأى مجموعة من الملثمين وهم يوسعون عمر ضرباً في سوق القرية في ساعات الصباح.. فتوقف ليتدخل في ابعادهم عنه.. وعندما سأل عما يجري قالوا له انه كان يشتم قادة التنظيم، وأن البعض رأوه وهو يمزق صور قادته الملصقة على أعمدة الانارة وجدران الحوانيت.

وبعدما نجح شعبان في تخليصه من بين أيديهم، راح قائد الملثمين يهدد عمر بانهم قد "يطخّونه" في الشارع مرة اخرى ان كرر ما فعل .. أو إن لم يكف عن شتم التنظيم، أو حتى لو تناهي إاليهم انه ما زال يشتم أحدا منهم .. خاصة فراس الذي المحوا الى انه هو الذي ارسلهم لتأديب عمر.

وما ان دخل كليهما الى السيارة حتى قال عمر غاضباً وهو يمسح بقعة من الدم أسفل عينه من ضربة بعقب بندقية، ويتفقد الرضوض في ذراعيه وساقيه وكتفيه:

·       لقد كرهت هذا المكان.. كرهت الجميع.. هل تبعدني من هنا؟

ورد شعبان:

-       هوّن عليك..

وتحرك بالسيارة أولا من دون هدف حتى وصلا الى مشارف نابلس وهو يستمع الى رواية عمر عما حصل، وعند مفترق يؤدي الى طولكرم سأله:

·       ما رأيك ان نكمل الى ناتانيا؟ يمكننا الذهاب الى شاطيء البحر حتى المساء ثم نعود.

ولم يبد عمر أي اعتراض.. ولم يكن يهمه الى أين يتجهان.. كل ما كان يريده كما قال لشعبان:

·       أريد ان يهدأ الدم الذي فار في جسمي..

ثم أجهش في البكاء.

وعندما سأله شعبان عن سبب ذلك قال:

-       أقسم بالله اني لم اؤذي احدا منهم..صحيح اني شتمت.. ولكن ما الذي كانوا ينتظرونه من ردة فعلي بعدما صارت سمعتي في الحضيض؟ ولولاك.. فربما كنت قد هلكت بين أيديهم اليوم.. كانوا متوحشين وهم يتقاذفونني مثل كرة كأس العالم.. وكما لو أني عدوّهم أو عميلاً لاسرائيل.

ولم يعلق شعبان الذي راح يواصل تهدئته وهو يقول:

·       تمتع بمناظر الطبيعة الآن حتى نصل.. بعد أقل من ساعة ستنسيك سيقان اليهوديات وصدورهن النافرة نفسك على الشاطيء... ومن يدري بعدها؟؟

ورمقه عمر بنظرة تساؤل، فتابع شعبان:

·       من يدري.. ربما نصادف ما هو أجمل من ذلك.

فرد عليه عمر:

-       كلا يا شعبان.. صحيح أنهم شوهوا سمعتي.. ولكن ما ترمي اليه ليس من طبعي أبداً.

واجابه شعبان:

·       ومن قال بأني سأغيّر من طبعك.. نحن ذاهبون لمجرد النزهة فقط.

ووافقه عمر على ذلك قائلا:

- نعم.. للنزهة فقط.

لكن لم يمض وقت طويل حتى سأله شعبان:

·       هل تريد اقناعي بانك لم تختبر نفسك مع احداهن حتى الآن؟

وبدا السؤال غريباً على عمر الذي رد على الفور:

-       كلاّ .. أبداً

ففاجأه شعبان:

·       وولاء.. ماذا كانت تفعل عندكم في البيت؟ هناك من يقول بأنها وراء سبب فصلك من التنظيم؟

وطالعه عمر بنظرة إستغراب وحيرة من إدراج اسم ولاء على هذا النحو المباغت.. ثم سأله:

-       وما علاقة ولاء؟

ورد شعبان بصورة أراد منها استدراج عمر للوصول الى معلومة ما عن سبب تردد ولاء الدائم على بيت أهله:

·       سمعت انها اشتكت لخالها حسام منك، وهو الذي أبلغ التنظيم عنك، ولهذا فصلوك لأنك حاولت معها.. صحيح؟

ورد عمر محاولاً إبعاد اي ذكر لولاء من الحوار:

-       لا ..هذا غير صحيح.. ولاء صديقة لاختي وكانت تظل معها في البيت بحضور والدتي.. ولعلمك.. فليس لولاء أية علاقة بموضوع فصلي، ولو كان ذلك صحيحا.. هل كنت تعتقد بان بقية اخوالها كانوا سيتركونني؟ كانوا ذبحوني.. أنت تعرف ما قيمة الشرف عند هؤلاء الناس..

وبدا شعبان مقتنعاً برد عمر، لكنه سرعان ما حاول استدراجه ثانية لموضوع البنات قائلا:

·       ولكنك شاب؟ هل تريد اقناعي بانك لم تفكر في هذا الموضوع حتى الان؟

ورد عمر:

-       كل شاب يفكر بالتأكيد.. لكنك تعرف في أي مجتمع نحن نعيش؟ فلمجرد إشاعات كلها كاذبة ها انت ترى ما الذي يحصل.. فكيف لو كان الامر حقيقة؟

وأجابه شعبان:

·       وهل يجب ان تظهر هذه الحقيقة في القرية؟.. هناك أماكن اخرى لا يضبطك فيها أحد.. انا اعرف شباباً يذهبون مرة كل اسبوع او اسبوعين الى تل ابيب لهذا الغرض.. ولا أحد يعرف عن امرهم شيئاً.

ورد عمر:

-       ولكني لست مثل هؤلاء.. لم افكر بهذا الموضوع من قبل.. ولست على استعداد للتفكير فيه الآن.. ما فائدة ان أستمتع لساعة في تل ابيب ثم أعود منها مصاباً بالايدز وأقضي على شبابي؟ ألم تسمع عن الايدز؟

فرد شعبان:

·       صحيح.. ولكن ليس بالضرورة ان تمارس ذلك مع عاهرات.. هناك يهوديات مستعدات للصداقة مع العرب. وبعضهن تزوجن من عرب.

ورد عمر:

* نعم.. وانا أعرف شخصا تزوج من يهودية من علاقة حب، لكنهما لم يستطيعا العيش في الضفة.. فانتقلا الى القدس.

وأكمل شعبان:

-       أنا اعرف صديقة يهودية أزورها في منزلها في "رامات جان".. يمكننا الذهاب اليها اليوم أن اردت..وقد تتعرف على أحدى صديقاتها.

ورد عمر:

·       كيف؟ ومن أين أضمن انها ليست من إحدى العاهرات؟

ورد شعبان واثقاً:

-       كلا.. انا اعرف هذه الصديقة منذ اربع سنوات .. التقيت بها صدفة في احد المحلات في قلقيلية.. وهي تعمل في مصنع للعصائر.

وقبل ان يصلا الى ناتانيا، كان شعبان قد نجح في اقناع عمر ليكملا الرحلة الى تل ابيب لمقابلة من ادعى انها صديقته.. بل ولم يبدر من عمر اي استياء وهما يمضيان الوقت بالتسكع في شارع "ديزينجوف" ثم الانتظار امام شقة تلك الصديقة لحين عودتها من عملها.. لكن ما ان شارف الوقت على الخامسة مساء حتى قال عمر:

·       فلنعد الآن.. يمكننا ان نأتي في يوم آخر.

ورغم تماسكه في ابداء ردة الفعل، الا ان شعبان لم يتمكن من إخفاء انفعاله وهو يكاد يصرخ في وجهه:

-       ماذا؟ منذ الظهيرة ونحن "نلف" في تل ابيب، وتطلب العودة الآن بعد ان اوشكت صديقتي على الوصول؟

ورد عمر:

·       لقد تأخرنا.. وان مكثنا ساعة او ساعتين فسوف نعود متأخرين.. ولا بد ان أهلي عرفوا ما حدث لي في الصباح.. وأظنهم قلقون الآن علي لأنهم لا يعرفون أين أنا؟

وحاول شعبان طمأنته من هذه الناحية مقترحا ان يتصل بالقرية من هاتفه المتحرك لابلاغهم بانهما معا، وقد يتأخران في العودة.. لكن عمر الذي قبل الجزء الاول من الاقتراح.. أصر على رفض الجزء الثاني منه قائلا أنه ما زال صغيرا على هذه الأمور، وانه لا يريد ان يجد نفسه متورطا فيها فيما بعد.

الاّ ان شعبان لم يأخذ بما قاله عمر، واعداً اياه بان المسألة لا تعدو ان تكون الا للتعارف، وان له الخيار فيما بعد كي يطور العلاقة او ينهيها بالشكل الذي يريد. ومع ذلك ظل عمر مصرا على رفض الفكرة .. ومع إلحاح شعبان على البقاء نصف ساعة اخرى، وانفعال عمر الذي راح يتصاعد غضبا، وافق عمر أخيراً على فكرة التعارف مع فتاة يهودية ولكن بشرط ان يقابل الفتاة في مكان قريب عليه في الضفة، وليس في شقة صديقة شعبان في "رمات جان" خوفاً من إنكشاف أمره لاحقاً بطريقة او بأخرى، وهو الذي ما زال يعاني من تشويه سمعته هناك.

ولحسم الامر، طلب شعبان في النهاية أن ينتظرا حتى تصل صديقته، ويبلغها بالامر وترتيب مكان للقاء ان وافقت على الفكرة.. ولم يمانع عمر.

ولم يمض وقت طويل حتى فتح شعبان باب السيارة ونزل منها قاصدا شقة صديقته دون أن يتاكد اولا انها وصلت، لكنه غاب فيها لمدة بينما ظل عمر منتظراً في السيارة.. وعندما عاد.. دخل السيارة مبتسما وهو يقول:

·       مبروك.. سنتقابل معهما السبت المقبل في محطة البنزين في مدخل رام الله..

لكن عمر رد منتفضاً:

-       نقابلهما؟ هل تقصد ان صديقتك ستكون موجودة ايضا؟

·       طبعا.

فاجابه عمر:

-       كلا، لا أريد، ان كان الامر حتميا فسوف أقابلها لوحدي.. وأنا مستعد للذهاب الى رام الله.

وعندما استفسر منه شعبان عن سبب ذلك قال عمر:

·       ربما تكون المرة الوحيدة والأخيرة.. واذا تطور الأمر فلدي مكان آخذها اليه في رام الله. وان لم يعجبني الوضع، فلن يعرف احد.

وعندها طلب شعبان انتظاره قليلا لسؤال صديقته بشان هذا الاقتراح.. وعندما عاد في المرة الثانية، أدار محرك السيارة وهو يقول:

-        حسنا.. سنتحدث عن الفتاة وأوصافها في الطريق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق