الاثنين، 26 مارس، 2012

الفصل الرابع: قراءة سياسية

في طريق عودته من المدرسة التي توقفت فيها الدراسة في اليوم التالي من الحصة الثانية لخروج مظاهرة منها توجهت نحو الحاجز الأول عند مدخل القرية، عرج عمر نحو بيت حسام، وعندما سأل والدته التي خرجت إلى الباب وعلم منها بانه ليس موجوداً، طلب منها إبلاغه بانه سينتظره في البيت، وانه يود أن يراه.

لكنه قبل ان يصل الى بيته، سمع حسام وهو يركض خلفه محاولاً اللحاق به وهو ينادي عليه طالباً منه التوقف.

ثم سرعان ما بادره بالسؤال وهو يلهث:

·       هل جئتني بشأن الإجتماع؟

ورد عمر مندهشا:

-       أي إجتماع؟

·       الاجتماع التنظيمي اليوم.. ألم يخبرك أحد من الشباب؟

وحاول عمر..لكنه لم يذكر شيئاً من هذا القبيل.. وعندما أدرك حسام ذلك قال:

·       كنت أظن أنهم إبلغوك وجئتني لمرافقتك إليه.

ورد عمر:

-       ومتى موعد الإجتماع؟ وأين؟

لكن حسام لم يفصح، وانما طلب منه إكمال الطريق نحو البيت أولاً، ومن هناك يذهبان معاً الى المكان.

ومع أن المسافة الى بيت عمر ومنه إلى مكان الاجتماع إستغرقت نحو نصف ساعة سيراً على الاقدام، إلاّ ان عمر لم يفلح ابداَ في استدراج حسام لسؤاله عن سبب هروب إبنة شقيقته ولاء، كما خانته الشجاعة أكثر من مرة حاول فيها ان يفتح الموضوع بأية طريقة.. فقد إنحصر حديث حسام طوال تلك المدة على ما يدور في القرية في ظل الانتفاضة، والأساليب الجديدة التي أبتكرت في المدن والقرى الأخرى في الضفة الغربية وقطاع غزة.. وما يمكن عمله للمحافظة على زخمها.. ومن من الشباب أعتقل ..ومن أفرج عنه..

وعندما وصلا الى منزل عضو ثالث في الخلية نفسها، جلس ثلاثتهم في "الحوش" على كراس تظللها أغصان شجرتي برتقال وليمون متجاورتين وأمامهم طاولة صغيرة عليها إبريق شاي ساخن وعدد من الأكواب وهم يتبادلون الحديث في مواضيع شتى بانتظار بقية من سيأتون، وكان من بينهم مفوض سياسي قدم من جنين لكنه تأخر في الوصول لاضطراره الإلتفاف عبر طرق وعرة بين الجبال من أجل الوصول الى نابلس ومنها الى القرية.

وما أن اكتمل عدد المجتمعين وكانوا ستة حتى أخذ القادم من جنين ناصية الحديث قائلا:

·       الأحداث من حولنا تتغير .. ونحن الآن في قلب الحدث.. الانتفاضة مندفعة بقوة نحو تحقيق أهدافها.. لكن الخوف مما ستنتجه المتغيرات المتسارعة في المنطقة وفي العالم.

وفيما ظل الجميع منصتين بإصغاء تام تابع قائلا وهو يدور بعينيه من عضو لآخر:

·       الوضع يزداد تعقيداّ في لبنان.. الجنرال عون أعلن حربا ضد الجيش السوري، وقد يحدث تصادم مسلح..

وفي مصر محاولات لإشعال فتنة في المنيا حيث تم حرق عشرات المنازل والمحلات والصيدليات والسيارات وجمعيتين وكنيسة للكاثوليك في ابو قرقاص.

والوضع بين العراق والكويت يزداد توتراّ منذ زيارة الملك حسين الى بغداد قبل أسبوعين حيث تبين أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود، لأن الملك الأردني لم يتلقَّ أي إشارة إيجابية من زعماء دول الخليج في ما يتعلق بأهداف صدام حسين الثلاثة وهي تسوية الخلافات الحدودية مع الكويت، لا سيما حقل الرميلة الغني بالنفط، والواقع في المنطقة المتنازع فيها. والموافقة على تأجيره جزيرتَي وربة وبوبيان لتؤمّنا له منفذاّ إلى الخليج، وتسوية مشكلة الديون المتراكمة على العراق خلال الحرب مع إيران.

والجورجيون ما زالوا يرقصون في الشوارع بعلمهم الجديد فرحاّ بإعلان إستقلالهم عن الإتحاد السوفياتي. وقد رأيتم ما حل برومانيا وانهيار الدولة وإعدام تشاوسيكو في أقل من 48 ساعة.. وهدم سور برلين، ومطالبة الألمان الشرقيين الآن بالانضمام الى ألمانيا الغربية..

وتوقف قليلا لإحتساء رشفة من كوب الشاي الذي كان أمامه ثم أكمل:

·       وشامير الذي يرفض خطة النقاط الخمس التي طرحها وزير الخارجية الامريكي جيمس بيكر يعد الآن لحكومة جديدة كلها من المتطرفين والمتشددين.

والحوار الدائر بين منظمة التحرير والادارة الامريكية لم يثمر شيئاّ حتى الان..

وهذا كله يدعونا للتفكير في كيفية المحافظة على زخم الانتفاضة ومواصلتها، فهي رأسمالنا الوحيد الآن، وإسرائيل تحاصرنا من كل الجهات، فيما العالم منشغل بما يدور في مناطق أخرى.

وقبل ان يوجه أحد من الحاضرين أي سؤال او إستفسار تابع قائلا:

·       جئت لأبلغكم بملخصنا للموقف .. وهو اننا قد نكون متجهين نحو أزمة عربية-عربية، أما الاتحاد السوفياتي الذي لم يتحرك بشأن ما جرى في رومانيا وما يجري في ألمانيا الشرقية حتى الآن فقد ينشغل عنا لفترة طويلة في معالجة التصدع والنزعات الانفصالية التي بدأت من أذربيجان قبل ستة أشهر، ثم في ليتوانيا وجورجيا بيومين، وهناك أنباء عن أن أستونيا ولاتفيا ستلحقان بهما قريبا. وهذا يعني أن الإنتفاضة قد تفقد دعماّ قوياّ يؤثر في مسارها وفي الاهداف التي نريدها أن تتحقق بعد كل هذا الثمن الباهظ الذي دفعناه طوال عامين واكثر..

وعندها سأل احد الحاضرين:

·       وما المطلوب منا اذاً؟

ورد المفوض السياسي:

·       مهمة كل الخلايا في التنظيم الآن أن تعد تصورات وخطط عمل وإبتكار أساليب جديدة تحافظ على قوة دفع ذاتي للانتفاضة كي لا يتبدد ما أنجزته وسط متغيرات كثيرة متوقعة وغير متوقعة، وهو ما لا يميل إلى صالحنا بالتاكيد.

وقبل ان ينتهي الإجتماع كانت التكليفات واضحة.. كل عضو في خلية قاعدية يعد تقريراّ بما يتصوره من أفكار ويرفعه إلى مسؤوله المباشر ليلخص هذه التقارير في تقرير واحد، ثم يرفعه بدوره عبر مسؤولة المباشر لتصل كل التصورات فيما بعد إلى القيادة المحلية للانتفاضة.

وفي طريق عودتهما إلى البيت.. لم ينجح عمر مرة أخرى في إستدراج حسام لمعرفة الحقيقة بشأن السر الذي دفع ولاء إلى الهروب من بيت والديها ورفضها العودة إليه، بل أنه لم يجد أية فرصة تسمح له بذلك، فترك المحاولة غلى لقاء آخر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق