الاثنين، 26 مارس، 2012

الفصل التاسع والعشرون: سعد ذابح



دامت الحرب مائة ساعة على مدى ثلاثة اسابيع.. لكنها غيرت مصائر أمم وتواريخ وتحالفات ونظم ونظريات وعقائد ومعتقدات وأفكار كثيرة أبقت السلام الكوني على نار هادئة لاكثر من نصف قرن قبل ان ينفلت جنون حرب من نوع جديد من عقاله وراح يعيث في الارض دماراً وقتلاً وخراباً باسم الحرية والعدل.

وفي السابع من فبراير/شباط دخلت أرتال الدبابات وهي ترفع اعلاماً عربية وأمريكية وبريطانية واخرى غيرها شوارع الكويت تحت ستار داكن من سحب دخان أسود كان يغطي سماء المدينة فيما كانت ألسنة النيران ما تزال مشتعلة في حقول النفط المنظورة في الأفق..

واصطف الكويتيون على جوانب الطرق يهللون ويرقصون ابتهاجاً بانقشاع اول احتلال عربي لدولة عربية بسرعة البرق في حرب خاطفة اراد الجميع ان يقول فيها اني هنا.. فيما راح الفلسطينيون يبتلعون مرارة الظلم لأن دبابات أطول احتلال قهري في التاريخ عادت كي تأخذ مواقعها بكثافة من جديد بين بيوتهم وتخنق عليهم أنفاسهم دون ان يكترث بقضيتهم أحد.

وعندما ظهرت مئات الدبابات وناقلات الجنود العراقية المنسحبة بعد أيام "مذبوحة" في فضاء قريب من البصرة وقد تناثرت حولها جثث جنود لم يتبق منها سوى عظام وجماجم جراء قصف حارق تكتم الجميع على سره.. شعروا بان "سعد ذابح" لم يوفر منهم أحداً في شباط ذلك العام الذي لبط بهم.

وسعد ذابح كما يعتبره الفلاحون والقرويون هو سعد ماطر عاصف وغاضب، حتى أنه يمنع الكلاب من النباح لذا يقولون عنه "سعد ذبح وما خلَى ولا كلب نبح"..

وكان شعبان أول تلك الكلاب التي صمتت عن النباح.. فقد وجد مخنوقاً في فراش منزله بعد يومين فقط من اعتقال خطيب المسجد وهو خال زوجته.. وقد قيل ان زوجته ربما كان لها ضلع في ذلك وأن أولادها ساعدوها في كتم انفاسه الأخيرة تحت وسادة السرير..

ولم تمض بضعة أيام بعد انتشار خبر شعبان حتى وجدت جثتا حاتم وعبدالقادر معلقتين على الشجرة نفسها التي شنق عليها الدكتور جليل قبل ست سنوات..

والرصاصات التي اخترقت ساقي سعيد ذات يوم بعد ذلك وهو يهم بالخروج من منزله أدتا الى بترهما وتركته قعيد فراشه الى الابد..

اما بقية الكلاب من العملاء فقد لزمت بيوتها، أو نقلت الى أماكن أخرى بتعليمات كانت تتوالى تباعاً من ابوالنمر وأعوانه..

وانطلقت المظاهرات قوية وصاخبة من جديد.. ومقابل كل شهيد دفع جزءاً من ثمن الانتقام من الصواريخ العراقية التي سقطت على المدن الاسرائيلية كان يسقط جندي او مستوطن او عميل أو أكثر..

لقد بدا واضحاً انه لا خيار غير تصعيد الانتفاضة بديلاً امام الفلسطينيين في لعبة الحياة والموت مع الاسرائيليين، أيا كان السلاح، وأيا كانت القوة.. وكان إما ان تظهر الانتفاضة قوتها على الارض وتواصل بعث الحياة في قضية شعب بات ينكره كل العالم في تلك الايام العصيبة التي انتهت بانهيار الاتحاد السوفييتي بين ليلة وضحاها.. وإما ان تنتهي منظمة التحرير، عنوان شعب فلسطين وهويته الوطنية، التي تخلى عنها الجميع في غياهب التاريخ الى الابد..

نزل المطاردون من الجبال.. وصارت المواجهة على المكشوف.. في الشوارع يتقابل الثوار المطاردين مع قوات الاحتلال نهاراً في الزوايا وعند الحواجز.. وفي الليل يحكمون منافذ القرى والبلدات الجبلية بقوة السلاح.

وذاع صيت فارس بطلاّ من أبطال الانتفاضة الصناديد.. كما ذاع الى جانبه صيت عمر "الفتى الذي ضحك على المخابرات" .. والذي وجد متسعاً اكبر من الوقت لملاقاة ولاء في تلك الايام حالكة السواد كي يرسم معها حلمه الذي تحقق بعد سنين في ان يعود اليها ذات يوم طبيباً..

وكان ذلك ما يقلق ابو النمر فعلاً.. ففي اقل من شهر غاضب وعاصف يحمل سيماء "سعد ذابح" تهاوت معظم الشبكات التي كدّ في بنائها منذ اكثر من عشر سنوات.. فأعدم من اعوانه العملاء من أعدم.. واختفى العديد منهم دون ان يظهر لهم أثر حتى الآن..

وفي معتقل عسقلان كانت الأنباء تتوالى من الخارج تباعاً.. وعندما بلغ غسان مقتل شعبان وحاتم وعبدالقادر ضج القسم بالهتافات، وخمنّوا أن الفاعل في كل تلك العمليات هو نعيم..

إمّا نعيم.. فعندما جاءه الاتصال أخيراّ من ابوالنمر كي يراه لأمر يتعلق بيحيى عياش، فانه كان ينتظر ذلك الاتصال على أحر من الجمر.. فقد كان قد أتم كل ما كان يراه ضرورياً .. واستعد للحظة النهاية الحاسمة.. وقبل ان يخرج من منزله لآخر مرة في ذلك اليوم.. كتب مدخلاً للفقرة الاخيرة التي لم يكتبها أبداً من بعد في روايته:

-       وهكذا قتلته:

فعندما وصل الى مكان اللقاء في الخضيرة طلب منه ابوالنمر الذي كان في سيارته ان يصعد الى المقعد الخلفي، وما ان اقترب من الباب حتى أطلق نعيم الرصاص بشكل مفاجئ من الخلف على رأس ابوالنمر ليرديه قتيلاً على الفور، ثم وجه مسدسه الى السائق فأصابه بجروح ولاذ بالفرار، لكن حارس ابوالنمر الذي لم يصب بأذى لحق به وأطلق النار عليه .. فقتله.

وفي كل مكان اخر.. كان يوم اخر من المواجهات والمظاهرات قد انتهى بسقوط شهداء وجرحى .. وظل الجنود من بعدها كامنين وراء الزوايا والمتاريس بمدرعات واليات مصفحة حتى ساعات المساء..

اما الاطفال فقد ظلوا ينتظرون اطلالة اي شيء يتحرك من ناحيتهم ليمطروه بالحجارة من اماكن مقابلة تناثرت فيها اكوام من "الدبش" و"الطوب" المكسر، وعلت فيها سحابات متباعدة من دخان اطارات ما كان ينطفىء احدها حتى يشتعل غيره على الفور.

ومن مكانه الذي جلس فيه الى جانب عدد من المطاردين المسّلحين على ربوة تطل على فضاء فسيح، رفع عمر عينيه عن الكتاب الذي كان يراجع درسا فيه، ليجول بصره في ارجاء السماء..

كل شيء تغير في العالم تحت هذه السماء الواحدة في اقل من عامين..ولم يتغير شيء من الواقع على ارض فلسطين..

امم ولدت.. واخرى توحدت..  وتاريخ راح يخط سطوره من مسارات جديدة بعضها ارتد في اتجاه معاكس.. وتحالفات تشكلت.. ونظم تغيرت.. ونظريات نسِفت.. وعقائد ومعتقدات تقاربت وتطرّفت.. وانهار الاتحاد السوفييتي في نهاية ذلك العام لينهار الكثير من حوله...  وتسقط افكار كثيرة من تلك التي ابقت السلام الكوني على نار هادئة لاكثر من نصف قرن..  تاركة جنون حرب من نوع جديد ينفلت من عقاله ليعيث في الارض دمارا وقتلا وخرابا باسم الحرية والعدل.

وظل الاحتلال.. وظّلت المقاومة.





ــــ انتهت ــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق