الثلاثاء، 27 مارس، 2012


90-91

رواية

محمد مهيب جبر

هذه الرواية




بين عامي 1990 و1991 شهد العالم تغييرات دراماتيكية هائلة كان من ابرزها غزو الكويت وانهيار الاتحاد السوفياتي .. فولدت أمم جديدة . واخرى توحدت..  وراح التاريخ يخط سطوره من مسارات جديدة بعضها ارتد في اتجاه معاكس.. وتشكلت تحالفات دولية جديدة.. وتغيرت نظم .. ونسفت نظريات مثلت دساتير لبعض الدول في بعض الحالات.. وتقاربت بعض العقائد وتطرّفت.. وسقطت افكار كثيرة من تلك التي ابقت السلام الكوني على نار هادئة لاكثر من نصف قرن..  تاركة جنون حرب من نوع جديد ينفلت من عقاله ليعيث في الارض دماراً وقتلاً وخراباً باسم الحرية والعدل.

اما في فلسطين، حيث تدور احداث هذه الرواية، فقد تغير كل شيء من حولها الاَ الاحتلال العنصري البغيض.. فقد ظل جاثماً على صدر أهلها.. وظلت المقاومة مستمرة ممثلة بالفتى عمر، وهو فتى في السابعة عشرة من عمره، شاءت الاقدار ان يكون بطلاً لمهمة صعبة تحتاج قوة وصبراً وجلداً لكشف شبكة عملاء محلية.

وفي سياق الرواية، تسلط الاضواء على كيفية سقوط مدينة نابلس ضمن باقي مدن الضفة الغربية تحت الاحتلال عام 1967، وما فعله الاحتلال لاخماد روح المقاومة بمحاولات تخريب العقول ودس العملاء والجواسيس بين الفلسطينيين والطرق القذرة التي اتبعها لتجنيدهم..

ومعظم احداث الرواية حقيقية بشكل عام ولكن مع تغيير في الاسماء والاماكن، مع اضفاء جانب من الخيال على بعض الاحداث للمحافظة على تماسكها بصورة اقرب للكيفية التي حدثت بها، وربطها بجانب من التراث والفولكلور الفلسطيني العظيم.




محمد مهيب جبر

الشارقة- الامارات العربية المتحدة

30 اكتوبر/تشرين الاول 2009

الاثنين، 26 مارس، 2012

الفصل الأول- سعد الخبايا


منتصف مارس/آذار 1990



ربما هي الصدفة.. أو ربما هو القدر الذي دفع أحداث أسبوع مضى لتلتقي في تلك الليلة في بيت زحف إليه الظلام مضمخاً بعبق أزهار اللوز المحمرة في نواره الأبيض.

كان يوم آخر من المواجهات والمظاهرات قد إنتهى بسقوط شهداء وجرحى .. وظل الجنود من بعدها كامنين وراء الزوايا والمتاريس بمدرعات وآليات مصفحة حتى ساعات المساء..

أما الأطفال فقد ظلوا ينتظرون اطلالة أي شيء يتحرك من ناحيتهم ليمطروه بالحجارة من أماكن مقابلة تناثرت فيها أكوام من "الدبش" و"الطوب" المكسر، وعلت فيها سحابات متباعدة من دخان إطارات ما كان ينطفىء أحدها حتى يشتعل غيره على الفور.

كان ذلك آخر يوم من أسبوع "سعد الخبايا"، حيث "تظهر الحيايا ويصبح المطر كالهدايا" كما يقول الفلاحون... لكنه أسبوع كان ينذر بتحولات في مصائر كثيرة راحت عناوينها تتوالى تباعاً في نشرة التلفزيون المسائية:

فالجامعة العربية نقلت أمانتها العامة من تونس إلى القاهرة..

وقادة اليمن كانوا يواصلون في تعز اجتماعات  لتوحيد الشمال مع الجنوب بعد حرب أهلية أراقت دماء غزيرة في الجبال والسهول.

والمسيحيون في لبنان ما زالوا منشغلين في "حرب الغاء" بدأها رئيس الحكومة العسكرية ميشال عون مدعوماً من سوريا منذ أكثر من شهرين قبل أن يعيد توجيه المدافع ضدها في "حرب تحريرية" في نهاية العام لإخراج قواتها من لبنان.

ومن العراق أنباء عن حشود للجيش على حدود الكويت بعد فشل وساطة أردنية مع دول الخليج حول خلافات على ديون ونفط.

وفي النشرة نفسها راح الفتى عمر يتابع مع أهله صورا لإنهيار حكومة شامير بسحب الثقة عنها في "الكنيست" بعد توتر مع واشنطن بشأن مطالب واضحة بوقف الاستيطان في الاراضي التي احتلتها اسرائيل عام 1967.

لكن ما حول اهتمام عمر عن متابعة بقية النشرة، وعن إحتفالات الأفارقة المستمرة منذ خمسة أيام بخروج زعيمهم نيلسون مانديلا بعد سجنه 27 عاما في نظام عنصري مشابه، هو ما تناهى إلى سمعه مما قالته والدته التي كانت تعد أكواباً من الشاي وهي تقدم أحدها لوالده:

-       هل عرفت بأن البنت ولاء هربت إلى بيت أخوالها؟

كان السؤال مثيرا لإهتمام الجميع .. وخاصة عمر.. فبالاضافة الى والده الفلاح الذي لم يخلع "قمبازه" بعد.. تحولت أنظار عمر وشقيقته التي تصغره عاماً والتي كانت جالسة على الأرض بجواره، مع أنظار بقية اخوته نحو أمهم ليسمعوا منها بفضول بقية الحكاية فور أن سألها الوالد مستفسراً:

* ولاء من؟  إبنة حليمة؟

وردت الأم:

- نعم .. حليمة زوجة عبدالسميع.

* وهل عرفت السبب؟

- لا أحد يعرف بعد.. و"نسوان" أخوالها متكتمات على الموضوع..

ثم تابعت:

-       "الله يستر على ولايانا وعلى جميع الولايا"..

وعندما سمعها تقول ذلك، ظن عمر كما ظن والده أيضاً أن في الأمر شيئاً يمس الشرف.. فسألها للتأكد، لكنها ردت:

·       لا أعرف .. "النسوان" لم يلمحن الى شيء.. لكنهن يقلن إن هناك مشكلة  بين  البنت وبين أبيها وأمها، وهي تصر على عدم العودة إلى رام الله حتى لو ذبحها أخوالها مثل عنزة.

-       وماذا يقول أخوالها؟

·       أخوالها مترددون، عدا أصغرهم حسام .. "فهو الوحيد اللي شادد على ايدها وما بدو اياها ترجع".

ورد الأب وهو يحاول إيجاد سبب ما يفسر به ما كان ينوي قوله بصوت مرتفع:

·       "المشاكل كثرت بين الاولاد وأهاليهم هالايام، الله يرحم أيام زمان.. ما كنا نستجري نرفع عيوننا فيهم.. واللي يقولوه يمشي على رقابنا مثل السيف".

وردت الأم:

-       صحيح.. "بس الله يبارك في اولادنا.. والله بيرفعوا الراس".

وعندما أكملت قائلة : "يا خبر اليوم بفلوس بكرة ببلاش"، عادت عيون عمر الى شاشة التلفزيون لمتابعة بقية النشرة، لكن تفكيره حاد إلى إتجاه آخر..

إنه لا يعرف ولاء، لكنه يتذكرها .. فتاة في نفس عمره وطوله تقريباً.. سمراء جميلة.. عيناها ملونتان واسعتان.. ونهداها المكتنزان كانا يكادان يفرّان من فتحة البلوزة في أعلى صدرها عندما رآها لمرة واحدة قبل عامين تقريباً.. وكانت ساقاها الطويلتان التصقتا ببنطال من الجينز الأزرق .. ولها شفتان رقيقتان.. وشعر أسود كثيفاً تدلى إلى ما تحت رقبتها الطويلة.

كانت يومها قد قدمت مع والدها ووالدتها لزيارتهم في المنزل في زيارة قصيرة، لكنها تركت منذ ذلك اليوم صورةً لم تنمح بعدها أبداً من ذاكرة عمر..

كان ذلك عندما التقت عيونهما لمرة وحيدة لكنها سرعان ما أشاحت بصرها عنه بعدها خجلاً في لحظة سرت أثنائها في قلبه خفقة كالخدر اللذيذ هزت كل كيانه.

وقد ظل يومها منتظراً بقية الزيارة آملاً ان تلتقي العينان مرة أخرى.. لكن ولاء رحلت دون أن تفعل.

أما أصغر أخوالها حسام، فهو يكبره بعام ونصف، لكنهما يعملان في خلية واحدة في التنظيم منذ عامين.. وبالتحديد منذ اليوم التالي الذي أعلن فيه أبوعمار إعلان الإستقلال من قاعة قصر الأمم في نادي الصنوبر في الجزائر..

يومها كان برد "المربعنية" القارس يوخز الوجوه بلسعاته الحادة .. ويتسلل إلى تحت الملابس الشتوية والبطانيات الثقيلة التي يكسوها الفراء من الجانبين.

 ورغم انخفاض درجة الحرارة في ذلك اليوم إلى تسع درجات، وزمجرة الرياح الباردة بسرعة عاتية، لكن الهتافات تعانقت مع زخات المطر.. وفر المنخفض الجوي القادم من القطب الشمالي نحو الشرق.. ودوت زغاريد النساء حتى وصلت مسامع أولئك الجنود الذين كانوا يختبئون في مدرعاتهم الحصينة وهم يصوبون رشاشاتهم بإتجاه الاطفال .. وخرجت المسيرات تجوب الشوارع في الليل رغم عصف الرياح الباردة وتحت زخات المطر .. وتقافز الذين كانوا يلتحفون في بيوتهم بالبطانيات والأغطية الثقيلة وهم يتعانقون في لحظة ابتهاج غمرتها دموع طاغية من الفرح طالما اشتاقوا اليه بعد كل هذا السيل الذي قدمته الانتفاضة من الدماء وقوافل الشهداء التي مضت.. والمعتقلين الذين اقتيدوا للسجون .. والمعاقين .. والأرامل.. واليتامى الذين لم يضق بهم حلم التحرير والعودة بعد.

يومها كان حسام محمولاً على الاكتاف وهو يهتف للحرية ولفلسطين.. وكان عمر وراءه في الصف الثاني بين الجموع وهي تردد بصوت واحد كل هتاف يتوالى بتوق الى النصر والتحرير.

وعندما تفرق الجمع بالرصاص وقنابل الغاز المسيل للدموع التي اطلقها الجنود بكثافة، وجد عمر نفسه مع حسام يتوحدان تحت أزيز الرصاص و"خنقة" دخان القنابل في توزيع البصل والمحارم الورقية على بقية المتظاهرين لكفكفة الدموع قبل إستكمال المواجهة من زاوية أخرى في الشارع.

-       ولكن ما حكاية ولاء؟ ولماذا يعارض حسام بقية إخوته في موضوع عودتها إلى أمها وأبيها في رام الله؟

ذاك هو السؤال الذي ظل يلح على عمر بحثاً عن إجابة مقنعة فيما تبقى من سواد تلك الليلة التي ظلت معبقة بأريج أزهار اللوز المنبعث من بين أشجار كثيفة تحتضن القرية بكرومها وبساتينها من كل جانب.

الفصل الثاني- "عصفور" في عسقلان

بعيداً عن القرية، وفي معتقل عسقلان جنوبي مدينة المجدل.. كان "سعد الخبايا" قد أظهر أفعى أخرى في ذلك اليوم.

فعندما عاد نعيم من "فورة" المساء محاطاً بعدد من الإسرى منعوا عنه حتى مجرد الإلتفات يميناً أو يساراً، لم يكن هو نفسه نعيم الذي خرج معهم قبل ساعتين.. وبحلول الليل، وعندما كان عمر مستغرقاً في البحث عن تفسير لهروب ولاء وهو يتابع نشرة المساء في منزله في القرية، لم يكن كل ما مر من أحداث في ذلك اليوم في المعتقل يعادل هول الصدمة التي أحدثتها المفاجأة لموجه القسم الأمني غسان وبقية المعتقلين.

ومعتقل عسقلان المكون من طابقين، والواقع على بعد 15 كيلومترا من غزة، عدا عن أنه واحد من أقدم المعتقلات التي أقامتها قوات الإنتداب البريطاني عام 1936، فإن اكثر ما يميزه هو سقف ساحته المنفتح على سماوات الأمل في الحرية.. وشجرة النخل التي إخترقت إرتفاع هذا السقف المفتوح من وسط ساحته رمزاً للصمود وتحدي عاديات الزمن الذي يمر بطيئاً على المعتقلين، وحيث كل أسير فيه موضوع تحت المراقبة بالعين المجردة والكاميرات على مدار الساعة.

ومنذ نقله إلى هذا المعتقل، إعتاد غسان، إبن الحادية والثلاثين، والقيادي المعتقل بحكمين مؤبدين، أن يسند ظهره إلى تلك النخلة في كل يوم يخرج فيه المعتقلون "للفورة" متأملاً سوره الذي يرتفع بعلو ستة أمتار، والمحاط بأسلاك شائكة وأبراج مراقبة وكاميرات التصوير، وفي زنازينه الرطبة االمزدحمة دائماً التي لا تدخلها أشعة الشمس، والحرارة القاسية التي لا تطاق في أقسام المحكومين الخمسة المسلسلة أبجديا عدا الخامس منها الذي يعرف باسم "حيط"، والقسمين 11 و12 الخاصين بالموقوفين.

والى قسم "حيط" كان نعيم، إبن الرابعة والعشرين عاما، والذي تنقل بين عدة معتقلات قد نقل قبل ثلاثة اسابيع من معتقل الخليل مع دفعة من الموقوفين جاء معظمهم في "البوسطة" من معتقل جنيد في نابلس، وكان من بينهم من نقل "كبسولة" في احشائه تثير شكوكاً حول نعيم، وبأنه قد يكون "عصفورا"، وهي الصفة التي ينعت بها عملاء المخابرات الاسرائيلية الذين يزرعون في السجون، وذلك بالرغم مما كان يظهره من تطرف في الفكر القومي ووحدوية في السلوك الوطني في كل معتقل تنقل فيه من قبل.

وفي ذلك المساء تأكدت الشكوك أخيراً في نعيم عندما توجه أحد الاسرى الذين كلفوا بمراقبته إلى غسان في مكانه تحت الشجرة ليضع في يده الدليل الحاسم.

فقد اعتاد نعيم منذ أن قدم إلى المعتقل أن يتجه فوراً بعد الخروج الى "الفورة" لإحضار كرة سلة يلهو بها مع من يرافقه من الأسرى.. وقد لاحظ الذين كلفوا بمراقبته من قبل غسان، أنه كثيرا ما كان يقذف الكرة لتعلو من فوق السور كي تستقر خلفه .. ثم تعاد مرة أخرى من وراء السور من قبل شرطي الحراسة غير المرئي في الطرف الآخر.

وفي ذلك المساء، وقبل أن يهم نعيم بقذف الكرة، قفز أحدهم أمامه لينتزع منه الكرة وثبتها بكلتا يديه.. وتأكد الشك بوجود ورقة صغيرة كانت ملفوفة بحجم ثقب المنفاخ دسها نعيم في ذلك الثقب.. وهي الورقة نفسها التي سلمها لغسان تحت النخلة، بينما كان نعيم ما زال مشدوهاً وهو واقف كالمشلول يتابع من مكانه ما كان يجري بينهما، وقد علت وجهه ملامح وجوم وصدمة من إنكشاف أمره أخيراً.

وبمجرد دخوله مثل فأر مذعور إلى داخل القسم وهو يفكر في طريقه تخرجه من المأزق الذي وجد نفسه فيه، إتجه فورا إلى الحمام، ووضع إصبعا في أنفه ثم جرحه بأحد أظفاره بقوة حتى ينزف منه الدم غزيراَ ويكون حجته في الهرب من الغرفة، لكنه قبل ان يخرج من الحمام لطلب نقله الى العيادة الطبية كان أحد الاسرى من أقوياء البنية قد لحق به ليسدد له على الفور لكمة قوية أوقعته في زاوية الحمام، ثم طلب منه البقاء في مكانه وألا يغادره حتى المساء، محذرا اياه من أن اثنين من المعتقلين سيحيطان به وقت "العد"، وأنهما جاهزان "لتشطيب" وجهه بشفرات الحلاقة – وهي علامة العار التي تميز العملاء الى الابد- إن بدرت منه أية حركة أو حاول الهرب.

وحسب الأوامر.. وقف نعيم في طابور "العد" مستسلماً بشكل طبيعي بين بقية المعتقلين.. لم يلتفت لا يميناً ولا يساراً.. ولم يزم شفتيه.. أو يرفع حاجبيه، أو يحرك إحدى يديه أو رجليه.. بل لم يحاول حتى أن يبدي أية اشارة تعني أنه يطلب النجدة من المأزق الذي وقع فيه.. ومع ذلك كانت عيونه تشع برعب خفي كان يهز كل أركانه من الداخل.. رعب سرعان ما أنفجر مرةً واحدةً فور خروج الجنود وإغلاقهم باب القسم وذلك عندما خر راكعاً أمام غسان وهو يقول بصوت مذعور:

-       أنا الذي قتلته..

ثم انخرط في بكاءٍ مريرٍ وهو يطلب الصفح مردداً بنبرات مخنوقة أكثر من مرة:

-       إغفر لي.. سامحني.. أرجوك..

كان المشهد مؤثراً جعل بقية المعتقلين في الغرفة، وبينهم إياد الذي كان يعد صناديق كرتونية لإستكمال بناء مجسم لبيته في القرية التي يسكنها أيضاً مع عمر، يحولون عيونهم جميعاً نحو نعيم وهو ما زال راكعاً امام غسان بإنتظار أن يسمعوا بقية هذا الإعتراف الفوري الذي جاء مباغتاً، ومعرفة إسم القتيل.

وبهدوء رد عليه غسان الذي أخذته المفاجأة والدهشة ايضاً من سرعة إنهيار نعيم بهذا الشكل سائلاً:

-       قتلت من؟

وسادت لحظة من الترقب والرهبة شعر الجميع بأنها مرت كالمخاض الصعب على نعيم الذي كان ما زال مطأطئاً رأسه نحو الارض قبل ان يفتح شفتيه:

·       أخوك.. انا من قتل أخاك؟

وعلا الوجوم وجه غسان وهو يطالعه بعيون فضحت الرعشة التي سرت في جسمه وهو يعاود السؤال مرتجفاً وخائفاً من أن يسمع ما كان يريد أن يسمعه منذ زمن طويل:

-       أخي من؟

لحظتها رفع نعيم رأسه نحو غسان وهو يمسح بيدين مرتعشتين دموعاً غزيرة عكست شعوره الخانق بالندم، وأفصح:

·       أخوك.. الدكتور جليل.

وقبل أن تبدر اية حركة أخرى من غسان الذي إنتابته نوبة من هياج وصرع مفاجىء، هرع بقية الأسرى نحوه للإمساك به وهو يحاول التملص منهم .. أما إياد فقد أمسك بنعيم الذي تلون وجهه بالاصفر من الخوف في تلك اللحظة ليبعده عن غسان، فيما طلب أعضاء من التنظيم وفقاً للمتعارف عليه في مثل هذه الاحوال وقف التحقيق فوراً ليتولاه مسؤول آخر غير غسان كي لا تتحول هذه المسألة الوطنية إلى موضوع شخصي أو عائلي.

لكن غسان الذي نجح عدد من المعتقلين في النهاية من السيطرة على نوبة الانفعال التي تلبسته، وإعادته إلى "برشه" أسند ظهره إلى الحائط والدموع ما زالت تطفر من عينيه، ورعشة شديدة ظلت تهزه وهو ينظر إلى نعيم بحقد ظاهر يعكس رغبة ملحة في إفتراسه.

الفصل الثالث: بانتظار الحقيقة

تقلب عمر كثيراً في فراشه وهو يغالب النوم فيما تبقى من تلك الليلة دون أن يعرف سببا لكل هذا التفكير في ولاء منذ اللحظة التي نطقت أمه باسمها..

فمع أنه بلغ السابعة عشرة من عمره حديثاً، لكنه لم يفكر يوماً من قبل في فتاة أو في علاقة حب مع إحداهن من بنات القرية أو حتى من خارجها..

فالقرية التي تحضنها بساتين الزيتون وكروم اللوز والتين والاشجار الحرجية من كل جانب، والتي لا تبعد كثيرا عن مدينة نابلس شمال الضفة الغربية لا يخفى فيها أمر.. ومن الصعب أن لا تنكشف علاقة كهذه لتصبح سيرة تتناقلها الألسن في وقت قصير.

كما ان سنوات الاحتلال التي مضت منذ أبصر عمر النور لأول مرة، وشب خلالها نزعت من الناس كل المشاعر الجميلة والأحاسيس الرقيقة، ولم تترك في قلوب الشبان والشابات على السواء سوى رغبات تتأجج كل يوم في المقاومة والانتقام حتى ينتزعوا منه شكل الحياة الطبيعية التي يحياها كل انسان على وجه الارض إلا في مدن وقرى فلسطين المحتلة التي كوى إحتلال الاسرائيليين سكان أهلها من دون تمييز بين طفل وشاب أو مسن .. أنثى كان أم ذكراً .. بأبغض ما يمكن للنفس البشرية ان تتخيله من حقد وكراهية لجنود تفننوا في قتل المارين في الشوارع بلا رحمة.. والتعذيب في المعتقلات بلا شفقة.. ومداهمة والبيوت ونسفها بلا أدنى وازع من ضمير او أخلاق.

ورغم ان القرية كبرت الى حد أنها اصبحت مثل بلدة فيها معصرة للزيتون، ومسجدان، ومدرستان ثانويتان للذكور والإناث، وعلى أطرافها مبان من عدة أدوار.. الا أن سكانها ومعظمهم أقارب من نفس العائلات ما زالوا يرون فيها تلك القرية الصغيرة التي تتكىء وادعة على سفح تل .. والتي تميزها أزقة ضيقة تتلوى بين بيوت قديمة بنيت من قطع حجارة صخرية كبيرة وعريضة لم تتمكن دوريات الاحتلال بسببها من دخولها يوما، خاصة بعدما اشتدت الملاحقة ضد المطاردين والذين كانوا ينزلون من الجبال أحيانا الى بيوتهم للإستحمام والاطمئنان على ذويهم بحراسة مرافقيهم الذين كانوا يتخذون مواقع مراقبة مأمونة عند المداخل.

ومن هؤلاء كان عمر يرى في القائد الميداني المطارد فارس قدوة ومثلاً ينعش فيه شغفه منذ الطفولة بشخصية الثائر الأممي شي جيفارا.. و"جيفارا غزة" محمد الأسود الذي اصبح قائدا لإحدى المجموعات المقاتلة في "طلائع المقاومة الشعبية" بعد هزيمة حزيران، والذي اوقف بعملياته الجريئة سيل الصهاينة لقطاع غزة ومحاولاتهم إغواء الشباب بأساليب الفسق والفجور، والذي واصل كفاحه بعد اعتقاله سنتين ونصف السنة في جو من المطاردة الشرسةـ وقاد الثوار بشكل لا يعرف اليأس، وعاقب الخونة والعملاء بعد محاكمات عادلة وتحذيرهم من قبل من التمادي في الخيانة، ومنع جنود الاحتلال من التجرؤ على دخول غزة في الليل، وأستشهد في نفس العام الذي ولد فيه عمر، وهو العام الذي شهد ايضا حرب اكتوبر عام 1973.

ومنذ طفولته، لم يبصر عمر غير ممارسات الاحتلال الإجرامية البشعة، وظلمه الطاغي من غير غير حدود. ومن الجلسات التي كانت تعقد في بيت عمه الأكبر إتجه تفكيره للعمل الوطني متأثراً بأبطال المقاومة الذين كانت تنسج حولهم الأساطير، وبصعود الخط الرافض في منطقته عام 1974 عندما تشكلت جبهة رفض فلسطينية، وتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد لاحقا في 17 سبتمبر عام 1978 حيث كان عمره آنذاك سبع سنوات.

وبدلاَ من التفكير في البنات، كان عمر يرى في نفسه وهو الطالب المجد، والذي يتمتع بسمعة محترمة بين أهالي القرية ان يكون بطلاً من أبطال الانتفاضة، تنسج حوله الأساطير أيضا مثلما نسجت حول فارس و"جيفارا غزة" .. وغيرهما من القادة المطاردين الذين دوخوا قوات الاحتلال، وكان مستعدا في سبيل ذلك ان يبذل كل تضحية وتحمل ومكابدة حتى لو تعلق الأمر بالدوس على مشاعره تجاه فتاة رقيقة .. ناعمة.. وجميلة مثل ولاء.

ولكن لو كان في هروب ولاء ما يتعلق بالشرف أو بنقيصة وطنية لما وقف حسام، رفيقه وكاتم سره التنظيمي، وحيداً دون بقية أخوالها إلى جانبها كما ذكرت والدته أثناء حوارها الذي دار مع أبيه.. ولذلك قرر أن يلتقي مع حسام صبيحة اليوم التالي لمعرفة الحقيقة.. مدفوعاً الى ذلك بصورة ولاء التي ظلت مرتسمة في ذاكرته تلك الليلة وهي تشيح بنظرها خجلا عنه، والتي لم تفارقه طيلة ما تبقى من الليل حتى نام.

أما هناك، وفي معتقل عسقلان، فقد استغرق الأمر نحو ساعة حتى عاد الهدوء مرة أخرى في تلك الليلة إلى الغرفة بعد الصدمة المفاجئة التي أحدثها إعتراف نعيم بقتل عالم الذرة الدكتور جليل، وهو لغز لفه غموض كبير حول الظروف التي اختفى فيها فجأة ثم عثر عليه مشنوقا على شجرة قبل ستة اعوام.

كان الدكتور جليل، الذي قفزت صورته لتطغى على كل شيء في رأس غسان طوال ما تبقى من تلك الليلة وهو يغالب النوم عبثا، قد درس في امريكا، وبعد تخرجه عمل استاذا في احدى جامعاتها لبضع سنوات.. واثناء ذلك التقى طالبة امريكية ظلت تطارده حتى أوقعته في شباكها وتزوجته.. لكنهما لم ينجبا أبناء.. وبعدما عاد برفقتها قرر البقاء لخدمة الوطن بأبحاثه ودراساته العلمية، والمشاركة في تعليم أبناء شعبه.. ورغم العروض والإغراءات التي وصلته للعودة الى أمريكا، الا أنه ظل مصراً على البقاء ولم يعد.

وقد أقام أولاً في منزل أهله في مخيم للاجئين.. ثم بنى منزله الخاص على ربوة في جبل جرزيم تطل على جبل عيبال المقابل، وبأسفلهما وادي التفاح شمال غرب مدينة نابلس.

ورغم الخلافات التي نشبت بين عائلة الدكتور جليل التي أرادت بقاءه في الوطن، وعائلة زوجته التي كانت مصرة على عودة إبنتهم الى أمريكا، الا أن الدكتور جليل ظل مصراً على موقفه..

لكن ما كان الدكتور جليل، وكذلك بقية أفراد اهله يعجزون عن فهم سببه هو أن هذا الخلاف كان يتسع يوماً بعد يوم من دون سبب أو مبرر.. وكان يتخذ في بعض الأحيان ابعاداً أخلاقية كاتهامه بالتودد من الطالبات الجميلات، او إغوائهن لإقامة علاقات جنسية معهن.. وأحيانا كانت تذكر أسماء طالبات بعينهن يكنّ فعلاً ممن يقوم بتدريسهن.. فيصيبه ذلك ويصيبهن بالإحراج وهو يدافع عن نفسه أمام هيئة التدريس وفي أوساط الطلبة..

وقد شاع عنه أكثر من مرة أنه سيطلق زوجته ليتزوج إحدى طالباته وهي إبنة رجل أعمال ثري من نابلس.

وأثناء إختفائه تناثرت الأقاويل والشكوك والشائعات في كل مكان، بعضها ما تحدث عن إنتحاره، وبعضها ما رجح نظرية المؤامرة والإنتقام للشرف وغسل العار..

ولكن الحقيقة لم تكن كذلك..

فباعترافه الذي لم يكتمل بعد، فجّر نعيم بركاناً من الحزن والغموض ظل كامناً طيلة ستة أعوام في نفس غسان الذي لم يصدق يوماً أية رواية مما قيلت عن أخيه، والتي كان يتمنى فيما تبقى من تلك الليلة أن يعرف تفاصيلها من دون صبر قبل أن يبزغ فجر اليوم التالي.

لكنه في كل مرة كان يحاول فيها النهوض من "برشه" للتوجه نحو نعيم الذي ظل قابعاً هو الآخر كفأر مذعور قبالته طوال الليل على جدار آخر مفكراً بمصيره بعد انكشاف أمره، كان إياد الذي ظل يقظاً بجواره يمسك به ليعيده الى مكانه مذكراٍ إياه بقواعد التنظيم، وبأن الحقيقة على وشك ان تعرف غداً.. ومواسياً إياه بأن نعيم لا بد أن يدفع الثمن باهظاً بعد إنتهاء التحقيق.

الفصل الرابع: قراءة سياسية

في طريق عودته من المدرسة التي توقفت فيها الدراسة في اليوم التالي من الحصة الثانية لخروج مظاهرة منها توجهت نحو الحاجز الأول عند مدخل القرية، عرج عمر نحو بيت حسام، وعندما سأل والدته التي خرجت إلى الباب وعلم منها بانه ليس موجوداً، طلب منها إبلاغه بانه سينتظره في البيت، وانه يود أن يراه.

لكنه قبل ان يصل الى بيته، سمع حسام وهو يركض خلفه محاولاً اللحاق به وهو ينادي عليه طالباً منه التوقف.

ثم سرعان ما بادره بالسؤال وهو يلهث:

·       هل جئتني بشأن الإجتماع؟

ورد عمر مندهشا:

-       أي إجتماع؟

·       الاجتماع التنظيمي اليوم.. ألم يخبرك أحد من الشباب؟

وحاول عمر..لكنه لم يذكر شيئاً من هذا القبيل.. وعندما أدرك حسام ذلك قال:

·       كنت أظن أنهم إبلغوك وجئتني لمرافقتك إليه.

ورد عمر:

-       ومتى موعد الإجتماع؟ وأين؟

لكن حسام لم يفصح، وانما طلب منه إكمال الطريق نحو البيت أولاً، ومن هناك يذهبان معاً الى المكان.

ومع أن المسافة الى بيت عمر ومنه إلى مكان الاجتماع إستغرقت نحو نصف ساعة سيراً على الاقدام، إلاّ ان عمر لم يفلح ابداَ في استدراج حسام لسؤاله عن سبب هروب إبنة شقيقته ولاء، كما خانته الشجاعة أكثر من مرة حاول فيها ان يفتح الموضوع بأية طريقة.. فقد إنحصر حديث حسام طوال تلك المدة على ما يدور في القرية في ظل الانتفاضة، والأساليب الجديدة التي أبتكرت في المدن والقرى الأخرى في الضفة الغربية وقطاع غزة.. وما يمكن عمله للمحافظة على زخمها.. ومن من الشباب أعتقل ..ومن أفرج عنه..

وعندما وصلا الى منزل عضو ثالث في الخلية نفسها، جلس ثلاثتهم في "الحوش" على كراس تظللها أغصان شجرتي برتقال وليمون متجاورتين وأمامهم طاولة صغيرة عليها إبريق شاي ساخن وعدد من الأكواب وهم يتبادلون الحديث في مواضيع شتى بانتظار بقية من سيأتون، وكان من بينهم مفوض سياسي قدم من جنين لكنه تأخر في الوصول لاضطراره الإلتفاف عبر طرق وعرة بين الجبال من أجل الوصول الى نابلس ومنها الى القرية.

وما أن اكتمل عدد المجتمعين وكانوا ستة حتى أخذ القادم من جنين ناصية الحديث قائلا:

·       الأحداث من حولنا تتغير .. ونحن الآن في قلب الحدث.. الانتفاضة مندفعة بقوة نحو تحقيق أهدافها.. لكن الخوف مما ستنتجه المتغيرات المتسارعة في المنطقة وفي العالم.

وفيما ظل الجميع منصتين بإصغاء تام تابع قائلا وهو يدور بعينيه من عضو لآخر:

·       الوضع يزداد تعقيداّ في لبنان.. الجنرال عون أعلن حربا ضد الجيش السوري، وقد يحدث تصادم مسلح..

وفي مصر محاولات لإشعال فتنة في المنيا حيث تم حرق عشرات المنازل والمحلات والصيدليات والسيارات وجمعيتين وكنيسة للكاثوليك في ابو قرقاص.

والوضع بين العراق والكويت يزداد توتراّ منذ زيارة الملك حسين الى بغداد قبل أسبوعين حيث تبين أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود، لأن الملك الأردني لم يتلقَّ أي إشارة إيجابية من زعماء دول الخليج في ما يتعلق بأهداف صدام حسين الثلاثة وهي تسوية الخلافات الحدودية مع الكويت، لا سيما حقل الرميلة الغني بالنفط، والواقع في المنطقة المتنازع فيها. والموافقة على تأجيره جزيرتَي وربة وبوبيان لتؤمّنا له منفذاّ إلى الخليج، وتسوية مشكلة الديون المتراكمة على العراق خلال الحرب مع إيران.

والجورجيون ما زالوا يرقصون في الشوارع بعلمهم الجديد فرحاّ بإعلان إستقلالهم عن الإتحاد السوفياتي. وقد رأيتم ما حل برومانيا وانهيار الدولة وإعدام تشاوسيكو في أقل من 48 ساعة.. وهدم سور برلين، ومطالبة الألمان الشرقيين الآن بالانضمام الى ألمانيا الغربية..

وتوقف قليلا لإحتساء رشفة من كوب الشاي الذي كان أمامه ثم أكمل:

·       وشامير الذي يرفض خطة النقاط الخمس التي طرحها وزير الخارجية الامريكي جيمس بيكر يعد الآن لحكومة جديدة كلها من المتطرفين والمتشددين.

والحوار الدائر بين منظمة التحرير والادارة الامريكية لم يثمر شيئاّ حتى الان..

وهذا كله يدعونا للتفكير في كيفية المحافظة على زخم الانتفاضة ومواصلتها، فهي رأسمالنا الوحيد الآن، وإسرائيل تحاصرنا من كل الجهات، فيما العالم منشغل بما يدور في مناطق أخرى.

وقبل ان يوجه أحد من الحاضرين أي سؤال او إستفسار تابع قائلا:

·       جئت لأبلغكم بملخصنا للموقف .. وهو اننا قد نكون متجهين نحو أزمة عربية-عربية، أما الاتحاد السوفياتي الذي لم يتحرك بشأن ما جرى في رومانيا وما يجري في ألمانيا الشرقية حتى الآن فقد ينشغل عنا لفترة طويلة في معالجة التصدع والنزعات الانفصالية التي بدأت من أذربيجان قبل ستة أشهر، ثم في ليتوانيا وجورجيا بيومين، وهناك أنباء عن أن أستونيا ولاتفيا ستلحقان بهما قريبا. وهذا يعني أن الإنتفاضة قد تفقد دعماّ قوياّ يؤثر في مسارها وفي الاهداف التي نريدها أن تتحقق بعد كل هذا الثمن الباهظ الذي دفعناه طوال عامين واكثر..

وعندها سأل احد الحاضرين:

·       وما المطلوب منا اذاً؟

ورد المفوض السياسي:

·       مهمة كل الخلايا في التنظيم الآن أن تعد تصورات وخطط عمل وإبتكار أساليب جديدة تحافظ على قوة دفع ذاتي للانتفاضة كي لا يتبدد ما أنجزته وسط متغيرات كثيرة متوقعة وغير متوقعة، وهو ما لا يميل إلى صالحنا بالتاكيد.

وقبل ان ينتهي الإجتماع كانت التكليفات واضحة.. كل عضو في خلية قاعدية يعد تقريراّ بما يتصوره من أفكار ويرفعه إلى مسؤوله المباشر ليلخص هذه التقارير في تقرير واحد، ثم يرفعه بدوره عبر مسؤولة المباشر لتصل كل التصورات فيما بعد إلى القيادة المحلية للانتفاضة.

وفي طريق عودتهما إلى البيت.. لم ينجح عمر مرة أخرى في إستدراج حسام لمعرفة الحقيقة بشأن السر الذي دفع ولاء إلى الهروب من بيت والديها ورفضها العودة إليه، بل أنه لم يجد أية فرصة تسمح له بذلك، فترك المحاولة غلى لقاء آخر.

الفصل الخامس: اغتيال عالم ذرة

بعد "فورة" الصباح كان الموجهون الأمنيون في أقسام معتقل عسقلان قد اتفقوا على أن يتولى واحد من أقدم المعتقلين وأكبرهم حكماً بالسجن التحقيق مع نعيم بدلاً من غسان.

أما نعيم الذي ظل طوال ساعتي "الفورة" محاطاَ بإثنين من المعتقلين وتحت أنظار باقي المعتقلين في قسمه، فلم يظهر أية حركة مريبة من شأنها أن توصل رسالة لأحد الحراس بأنه في خطر.

ومن مكانه وهو مسند ظهره للحائط، وإلى جواره إياد الذي كان يتابع إعداد صناديقه الكرتونية وتفقد أغلفة من معاجين الاسنان، وخيوط من الحرير أحضرها له أهله في الزيارة الأخيرة لحياكة أطراف المجسم بها، جلس غسان مثل بقية المعتقلين مصغياَ على أحرٍّ من الجمر لما سيكشفه نعيم أمام المحقق الجديد أيمن عن مقتل الدكتور جليل.

وما أن انتظمت حلقة التحقيق حتى بدأ نعيم الحديث قائلا:

·       كان ذلك أوائل نيسان عام 1984، وأذكر أن ذاك اليوم كان يوم ثلاثاء حينما اتصل بي ضابط المخابرات ابوالنمر على غير العادة، وأمرني بالإسراع لمقابلته في مكتبه.. ذهبت وانا ارتجف خوفا من ان يكون أمري قد انكشف من قبل المطاردين، واني قد أعدم، فقد سبق ان ابلغني بانه ان وردني اي اتصال منه على رقم معروف ولم اجب، فعلي ان اغادر المنطقة فورا، وان اختفي لعدة ايام.. ولكني عندما وصلت هدأ من روعي وقال لي:

-       اخترتك لعملية دقيقة ومهمة، إن نجحت فيها ستحصل على مكافأة كبيرة.

ثم اخرج من جيب بنطاله ورقة وضعها على المكتب وانا ما زلت اترقب ان اعرف ما يدور، ثم قال:

-       اتعرف ما هذه الورقة؟

حركت وجهي يمنة ويسرة علامة النفي، فتابع:

- انها رسالة من "السي.آي.إيه"..

ورددت مندهشا:

-       السي.آي أيه!!

·       نعم..السي.آي.إيه، انهم يبلغوننا عن شخص مهم درس في امريكا ثم غادرها بشكل عادي دون ان ينتبهوا لخروجه.. ولكنه لم يعد.. ويطلبون منا التحري عنه.

وأجبته:

- هل تريد معرفة مكانه؟

ورد مبتسما:

·       بل ألا يعود لامريكا.

وخرج الجواب مني بتلقائية:

-       تقصد قتله؟

واجاب:

·       يعجبني ذكاؤك، نحن نراقبه منذ مدة، كل شيء جاهز.. داخل بيته هناك من يراقبه.. ومن بيته الى الجامعة وبالعكس هناك من يراقبه... وداخل الجامعة التي يدرس فيها هناك من يراقبه ايضا.

وسألته:

-       ما المطلوب مني اذاً؟

فرد:

·       لن تكون وحدك، هناك ثلاثة آخرون، وسارتب لأربعتكم اجتماعا تقررون فيه موعد التنفيذ.

وسألته:

-       ومن هو الشخص المطلوب؟ وهل اعرف أحدا من الثلاثة الآخرين؟

فقال:

·       الشخص المطلوب هو الدكتور جليل الذي يدّرس في الجامعة، اما الثلاثة الآخرون فسوف تعرفهم قريبا.. ولكن زوجته معنا ايضا، فهي مجندة من قبل السي.آي.إيه من قبل ان يتزوجا.. وسوف تساعدكم في العملية، ولكن ما اريده ان تعرفه الان هو انك من سيقود العملية، واريدها ان تكون عملية نظيفة.. لا تثير اية شبهة امنية من قريب او من بعيد..

وسألته:

-       كيف؟

فرد موضحا:

·       ما يعرفه الناس هو ان هناك خلافا بين عائلة الدكتور جليل وعائلة زوجته، وقد عملنا على اظهار هذا الخلاف علناً بمساعدة زوجته وعملاءنا، واريدك ان تنفذ العملية بشكل يثير الشك في ان لها خلفية اجتماعية او اخلاقية او اي شيء من هذا القبيل. ولكن من دون ان تثير الشك في انها عملية اغتيال.

ثم تابع وهو يقف خلف مكتبه في اشارة الى ان اللقاء قد انتهى:

·       حتى نلتقي.. تولّ مراقبة محيط المنزل.. المداخل والمخارج.. وسأتصل بك لاحقا لأبلغك عن مكان الاجتماع.

وتوقف نعيم طالبا ان يشرب شيئا من الماء يبلل به ريقه الذي شعر بأنه كان يجف أكثر كلما واصل الحديث أمام المحقق أيمن والى يساره من يسجل الاعترافات، ثم تابع:

·       بعد عدة ايام ظللت أفكر فيها بخطة للتنفيذ، التقينا نحن الاربعة بحضور الضابط الذي عرفنا إلى بعضنا في بداية الاجتماع، الاول سائق تاكسي اسمه عبد السلام، وهو الذي كان يتولى مراقبة الهدف من بيته الى الجامعة باستمرار، والاثنان الآخران هما الطالبان في الجامعة حاتم وعبدالقادر اللذان كانا يتوليان مراقبته وتتبع نشاطاته داخل الجامعة. اما زوجة الهدف فلم تحضر، لكن الضابط قال انها ستنفذ ما سنتفق عليه بشان دورها في الاجتماع، ثم بادرني بالسؤال:

·       هل فكرت في خطة؟

قلت

-       نعم.. ولكني بحاجة لمزيد من المعلومات لاختيار الوقت والمكان المناسبين..

فنظر الضابط نحو سائق التاكسي عبدالسلام والذي اجاب:

·       كل تحركات الدكتور جليل تتم في ساعات النهار، وقد تفحصت كل متر فيه تقريبا، ولكني اعتقد بأن من الصعب قتله في شارع لا تهدأ فيه الحركة خلال ساعات النهار.

ثم نظر الى حاتم الذي بدا انه ناقش الأمر مع عبدالقادر مسبقا، فاجاب:

·       نعتقد بانه يمكن تنفيذ العملية في الجامعة بحيث نستدرجه بطريقة ما الى الحمام او الى المختبر، ثم تظهر العملية كانها انتقام للشرف، وبهذا نحمي زوجته من الشبهات ايضا.. لكن الصعوبة في التوقيت المناسب.

ثم عاد بنظره إلي وقال:

·       وماذا عن خطتك؟

فأجبت:

·       خطتي ان نخطفه من المنزل في وقت متأخر من الليل بمساعدة زوجته، ثم نشنقه في مكان ناء، وحتى يعثروا على الجثة نشيع انه انتحر او قتل على خلفية شرف او لأمر يتعلق بالخلاف بين العائلتين.

وهز الضابط رأسه موافقا على خطتي مع انه قال انه كان يخفي خطة اخرى في جيبه، ثم سألني:

·       خطتك جيدة.. وكيف ستنفذها؟

فاجبت:

-       لقد راقبت المنزل ومحيطه جيدا، والعائق الوحيد وقت التنفيذ هو صوت محرك السيارة في الليل ان اردنا الدخول من الباب الرئيسي أو إن صحا احد من الجيران.. لكني لاحظت انه يمكننا الدخول من باب خلفي لا يفصله عن السور سوى مسافة قصيرة.. وخطتي ان تساعدنا زوجته بتخديره ليلة التنفيذ، وندخل انا وحاتم وعبدالقادر الى المنزل باشارة من الزوجة لنكممه ونربطه ونحمله، ثم يساعدنا عبدالسلام من خلف السور بنقله الى السيارة، ونذهب به الى المكان الذي سنتدرب على الذهاب اليه في الليل.

وفي ذلك الاجتماع اتفقنا على الخطة وعلى طريقة تنفيذها، وطلب الضابط منا اختيار مكان الشنق والتدرب عليه جيدا في الظلام..وان نبلغه بذلك عندما نصبح جاهزين لتحديد موعد التنفيذ.

ثم توقف قليلا قبل ان يكمل:

·       استغرق التدريب على عملية الخطف ومكان الشنق نحو عشرة ايام.. وقد اخترت كرما على اطراف وادي التفاح بحيث يسهل الوصول الى عمقه بالسيارة في العتمة.. وكان عبدالسلام يتدرب على الطريق الذي سنسلكه في الذهاب الى المنزل ومنه الى الكرم في ساعات مختلفة من النهار حتى حفظ الطريق عن غيب.. ونحو الثالثة صباحا من كل ليلة كنا نذهب الى المنزل، ونجرب احيانا السير في الطريق من دون انوار كي لا يلاحظنا احد. وعندما اصبحنا جاهزين.. ابلغت الضابط.. فاختار ليلة خميس بحيث يكون اليوم التالي، الجمعة، يوم عطلة. وقال ان إشارة الزوجة ستكون انارة ضوء المطبخ ثم اطفاءه في الثانية تماما.. وإن حدث أي تأخير من قبلنا.. فعلينا ان ننتظر الاشارة كل 10 دقائق بالضبط بعد ذلك. واوضح ان الباب الخلفي الذي سندخل منه هو باب المطبخ نفسه.

وفي تلك اللحظة، كان معظم المساجين في الغرفة قد اقتربوا من حلقة التحقيق وهم يواصلون الإصغاء بصمت مطبق لم يكن يسمع خلاله الا صوت نعيم .. وحتى اياد، فقد ترك مجسم بيته الذي كان يصنعه من صناديق الكرتون وجلس مسندا ظهره الى الحائط مثل غسان عن يمينه وهما يتابعان بعيونهما بقية الحكاية..

وتابع نعيم:

·       في الليلة المحددة وصلنا قبل الثانية تماما وتوقفنا في مكان يمكننا من خلاله رؤية المطبخ رغم ان كل اضواء المنزل كانت مطفأة.. وعندما انارت زوجته المصباح ثم اطفأته حسب الاشارة في الموعد المحدد، تقدم عبدالسلام بالسيارة من دون انوار، وركضنا انا وحاتم وعبد القادر لنقفز من فوق السور.. وعندما دخلنا المطبخ.. كانت زوجته واقفة هناك تحمل شمعة مشتعلة في يد، وباليد الاخرى اشارت لنا عن مكانه حيث كان مخدرا على "الصوفا" في الصالة.. وعلى الفور كممناه واوثقنا يديه خلف ظهره، كما ربطنا قدميه وحملناه خارجين به من باب المطبخ حسب الخطة، واثناء ذلك كان عبدالسلام قد اقترب بالسيارة من السور وفتح باب "الدبة" الخلفي.. واعتلى عتبة باب السائق لتسهيل عملية النقل من فوق السور.. وقفزت انا لأحمله مع عبدالسلام من الجهة المقابلة، ثم قفز الاثنان وجلسا في المقعد الخلفي بينما كنت وعبدالسلام نغلق باب "الدبة".. ومضينا الى المكان المحدد. ولم يستغرق الامر بعد ذلك 30 دقيقة حتى كان معلقا ببيجامته على شجرة، وقد فككنا الاربطة واخذناها معنا.. ولم تكتشف الجثة بعد ذلك الا يوم السبت بعد عشرة ايام.

ثم سأله المحقق ايمن:

-       وماذا عن الثلاثة الاخرين: عبدالسلام وعبدالقادر وحاتم؟

ورد نعيم:

·       عبدالسلام هو السائق، ويعمل على سيارة صفراء خاصة به كما ابلغني اثناء التدريب على عملية خطف وقتل الدكتور جليل، وقد نسيت رقم لوحات تلك السيارة لكن آخر رقمين فيها هما 66، لانهما نفس العام الذي ولدت فيه، كما اذكره أسمر بدينا، وكان طوال مدة التدريب يرتدي بنطالا من الجينز وقمصانا مشجرة بألوان مختلفة. اما حاتم وعبدالقادر فهما طالبان في الجامعة، ويعملان بنفس الشبكة التي يقودها شعبان في قرية اياد.

وفي هذه المرة، كان وقع المفاجأة شديدا على اياد الذي انتفض في مكانه عند سماعه اسم شعبان، ثم تحرك بمؤخرته على الارض نحو حلقة التحقيق موجها السؤال مباشرا الى نعيم:

-       شعبان؟

ورد نعيم هادئا:

·       نعم، هو بشحمه ولحمه.

وحاول اياد التشكيك في ما كان يقوله نعيم، فادار وجهه نحو المحقق ايمن قائلا:

-       لا أعتقد بأن نعيم يقول الحقيقة، فما اعرفه عن شعبان انه وطني. واخشى ان نعيم يحاول تضليلنا أو زرع الشك بيننا.

غير ان نعيم رد على اياد مؤكدا انه لا يقول الا الحقيقة، مضيفا:

- ان لم يتمكن التنظيم من تأكيد ما اقول .. فانتظروا وصول المزيد من قادته الى هذا المكان. وان اردتم فاني مستعد للمساعدة في ذلك.

وحدق فيه المحقق ايمن ملياً ثم قال:

·       انت؟ وكيف؟

ورد نعيم:

·       صدقوني بأني رجل صالح.. وقد تورطت في هذا العمل من غير ان يكون لي حول ولا قوة.. وانتم تعرفون الاسرائيليين.. ولا اريد الخوض في تفاصيل ما فعلوه بي ومع افراد اسرتي كي يجبروني على التعامل معهم، لقد كان الأمر فوق ما يمكن ان يحتمله أي بشر.. لكني أعترف امامكم الان باني كنت اقوم بعمل حقير.. بل وعار على كل انسان تحت الاحتلال ان يفعله.. لكنهم جعلوا مني مثل سكير مدمن، كلما شرب كأسا آخر، كلما زاد ادمانا.. وكلما غاب عنه الكأس كلما زاد وضاعة وخسة، وانا اعرف ان كل هذا لن يشفع لي الآن..

ثم اردف وفرائصه ترتعد من الخوف:

-       اعرف بانكم قد تأمرون باعدامي الليلة.. وقد لا اصحو على الحياة غدا في الصباح.. لكني اقسم امامكم باني اريد التوبة.. والآن.. ولا اريد غير فرصة وحيدة تمنحوني اياها كي اطهر نفسي، او افعلوا بي بعدها ما تشاؤون.

وصمت المحقق ايمن لحظة وهو يتبادل النظرات مع الذين كانوا يشاركون معه التحقيق وتسجيل الاعترافات ثم اجابه:

·       انت لست اول "عصفور" يقع بين ايدينا، ولن تكون آخر الخونة الذين يستيقظ ضميرهم في اللحظة الاخيرة.. ولكن هل تعرف ما هي الفرصة الوحيدة التي نمنحها لهؤلاء كي يعودوا للمجتمع مواطنين صالحين؟

ورد نعيم وما زال يرتعش من الخوف:

·       انا لا اريد العودة الى المجتمع مواطنا صالحا فقط.. بل اريد العودة اليه مناضلا مثلكم.. وانا مستعد لتنفيذ أية مهمة تطلبون.

واجابه المحقق ايمن:

-       هو شرط واحد.. ان تقتل جنديا او مستوطنا..

ومن مكانه، ورغم الصدمة التي هزته بمعرفة سر مقتل اخيه جاء صوت غسان متهدجا:

-       او ما يعادل خسارتنا باغتيال الدكتور جليل..

ورد نعيم وهو يتنقل بناظريه بين المحقق ايمن وغسان قائلا:

·       اقبل هذا الشرط.

غير ان المحقق ايمن رفض اعطاء نعيم جوابا حاسما في تلك الليلة، وبالمقابل طلب منه ان يستعد لتقديم اعترافات كاملة ومفصلة بعد فورة المساء عن كل ما يعرفه من اسماء وعناوين اخرى لعملاء يعرفهم او شارك في تنفيذ مهام استخبارية ضد التنظيم معهم.. واية معلومات اخرى عن عمليات اغتيال يعرفها، والطريقة التي جندوه بها.. وما ادعاه من الضغوط التي اجبروه تحتها للموافقة على التعاون معهم.

كما طلب منه ألا يحاول الاتصال باحد من الضباط حتى يتم البت في أمره من قبل قيادة التنظيم في المعتقل.

وكان نعيم يهز رأسه بالإيجاب وهو يصغي لكل تعليمة، فيما كانت الدموع التي انهمرت غزيرة معظم الوقت اثناء التحقيق تنفجر من مآقيها كلما تقابلت مع نظرات الحزن والاسى المزوجة بالغضب والتي كانت تتفجر من عيني غسان.